د.حسن الحميد 22/8/1423
ليس عجيبا في عالم اليوم أن يكون الجلاد هو ماسح الدموع ، وأن يكون الجزار هو مداوى الجرحى ، وأن يكون حفار القبور هو من يقيم حفلات التأبين ويتلو قصائد الرثاء ! مادام الكل يجري باسم القانون الدولي ، والذي يدعو إليه دولة ديمقراطية متحضرة ، بريئة من لوثة التخلف والدكتاتورية ، لايهم فارق التوقيت ولاشخص المتحدث ، المهم أن يكون مصدره من الغرب لاالشرق ، من الشمال لاالجنوب.
وقد توزع العالم وفق هذه المعادلة إلى مجموعات عمل ، وحددت بؤر التوتر وفق حسابات دقيقة .. لاتكاد تخطئ العين هذه المسارات .
فهناك صانعو بؤر التوتر وهناك مستغلوها، وهناك صانعو السلاح ، وآخرون لأعمال الإغاثة وتضميد الجراح ، وآخرون لدفع فاتورة هذه الحرب أو تلك .
لايتخلف عن هذه المهمات الحضارية أحد ، إلا أن يكون منبوذا من المجتمع الدولي ، وهذا يعني بالضرورة أن يكون داعما للإرهاب ، خارجا عن القانون وإجماع الأسرة الدولية ! وإذا مااستمر على سلوكه المشين فسيكون هدفا ولو بعد حين ، لأن يد العدالة تطال الجميع !! حتى ليخيل للمرء أن تدمير الشعوب وتسميم الأجواء والبلدان ، وإهلاك الحرث والنسل الذي يراه في شاشة التلفاز ويقرأ عنه الإحصاءات ليس كذلك إلا في الصورة والخيال ، أما الحقيقة فإن الذي يجري ماهو إلا عملية جراحية أملتها ضرورة الحفاظ على حياة المريض، بدليل أن الذي يحمل البارود ـ عفوا المشرط ـ بيمينه هو الذي يحمل الدواء والغذاء بشماله ، وإذا لم يستطع الوصول إلى مريضه إلا من الجو ـ بسبب إعاقة الهمج الذين لاتثير فيهم مشاهد الجوع والمرض والقتل رحمة ولاشفقة ـ فلن يتأخر ، ومن نجا منهم فسوف ينصب له الخيام ويؤمن له ضرورات الحياة خارج حدود وطنه ، الذي شرده منه !!
لقد تعودنا سماع أنباء طائرات من الجو تلقي بالمعونات إلى الشعوب الضحايا في السودان وفي العراق وفي البوسنة وفي كوسوفا ، والآن في أفغانستان ..
لكن لم نسمع إلا القليل عن المنشورات المصاحبة ، وأجهزة الراديو. وسمعنا بالتفصيل معلومات جذابة عن عمل بعض وسائل التدمير ، كيف تصيب أهدافها بدقة متناهية ، ولايبعد أن نسمع قريبا عن أسلحة فتاكة لاتنفجر إلا إذا لامست بدلة عسكرية أو وقعت على مدرج مطار أو هدف عسكري ! سمعنا كثيرا عن ذلك ، لكن اختفت فجأة معلومات تؤكد بأن بلادا بأكملها كالعراق مثلا لم تعد صالحة لحياة الإنسان ، وأن أجواءها وتربتها وماءها سيظل ملوثا موبوءا مئات السنين . وإذا كان حفنة آلاف من الجنود أصيبوا بأعراض أسلحتهم التي كانت تنفجر على بعد بعيد منهم ، فما الظن بالبلاد التي زرعت فيها وما الظن بساكنيها؟ ومن يدري أن تكون أفغانستان هدفا جديدا لأنواع من الأسلحة الفتاكة تجعل المنطقة بأسرها بؤرة غير صالحة للحياة؟
إن عواطف صانعي المدنية الأممية وتجار السلاح ودهاقنة السياسة ليست عواطف بريئة ، إنها عواطف تعمل على وقع المصالح ، ولديها قدرة على التمييزحتى بين أديان الضحايا وأجناسهم !هذه حقيقة وشواهدها ماثلة..
ألم تر إلى معاناة أهل فلسطين منذ خمسين عاما .. اليهود يكبرون ويتمكنون والفلسطينيون يذبحون ويشردون بإشراف مباشر ودعم سخي من بريطانيا وأمريكا على وجه الخصوص . والعاطفة نائمة إلا إذا أصيب يهودي بمكروه .
وفي هذه الأيام سمعنا أن عاطفة توني بلير استيقظت وقال إنه يشعر بمعاناة الفلسطينيين وأنهم بحاجة إلى دولة مستقلة! وبوش هو الآخر لم يتأخر وقال إنه كان يفكر قبل حادث نيويورك بدولة مستقلة لهم. وفجأة خمدت العاطفة!
ولم يترك شارون مجالا للشك فقال إن بوش يجامل العرب في هذا الظرف على حساب إسرائيل . قلت: وهذا هو الصواب.
إن تقبل العالم لعمل عسكري كالذي يجري في أفغانستان ، بل ربما لأعمال عسكرية في أماكن أخررىى وتقديم التسهيلات والتأييد ، في الوقت الذي يقول الأكثرون إنهم لم يقفوا على أدلة إدانة محددة ، ويكتفي آخرون بأنهم اطلعوا على أدلة كافية ، إنها بادرة خطيرة تشير إلى أن العالم يسير رغبة أو رهبة خلف الأقوياء، وينفذ مطالبهم من غير أن يكون قادرا على وضع حقوقه المشروعة على قدم المساواة ، وأنه يكرس ـ باسم القانون ـ شريعة الغاب التي دفعت الشعوب مهجها للتخلص منها.
وإذا لم تكن هذه مناسبة لرد العالم إلى صوابه ، فإنه سيكون أبعد عن الصواب بعد تحقيق مآربه. ولن يجد الصغار مكانا لتقديم عرائضهم ولا أذنا لسماع شكواهم .
إننا أمام مشهد يتكرر كلما احتاج الغرب إلى الشرق والأقوياء إلى المستضعفين ، حتى لكأن القيمة اختصرت في إنسان الغرب وممتلكاته وسيادته ، فما كان جريمة في نظر الغرب فهو جريمة في نظر العالم ، وما كان مأساة في حق الشعوب الأخرى فهو من جنس الحوادث والكوارث اليومية الناشئة عن التخلف وغياب الديمقراطية!