الحمد لله الذي فرض على عباده الصيام، وجعله مطهرًا لنفوسهم من الذنوب والآثام،الحمد لله الذي خلق الشهور والأعوام،والساعات والأيام، وفاوت بينها في الفضل والإكرام، وربك يخلق ما يشاء ويختار، أما بعد،،،
ما أشبه الليلة بالبارحة، هذه الأيام تمر سريعة وكأنها لحظات، لقد استقبلنا رمضان الماضي، ثم ودعناه، وما هي إلا أشهر مرت كساعات، فإذا بنا نستقبل شهرًا آخر،وكم عرفنا أقوامًا، أدركوا معنا رمضان أعوامًا،وهم اليوم من سكان القبور، وربما يكون رمضان هذا لبعضنا آخر رمضان يصومه، إن إدراكنا لرمضان، نعمة ربانية، ومنحة إلهية، فهو بشرى، تساقطت لها الدمعات، وانسكبت العبرات: { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ... [185] } [سورة البقرة] .
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: [ قَدْ جَاءَكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ شَهْرٌ مُبَارَكٌ افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ يُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَيُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ] رواه النسائي وأحمد .
وقال صلى الله عليه وسلم: [إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ] رواه البخاري ومسلم .
نعم، كم من قلوب تمنت،ونفوس حنت،أن تبلغ هذه الساعات، شهرٌ، تضاعف فيه الحسنات، وتكفر السيئات، وتُقال فيه العثرات، وترفع الدرجات، قال صلى الله عليه وسلم: [إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ وَيُنَادِي مُنَادٍ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ] رواه الترمذي وابن ماجة.
نعم، شهر رمضان، هو شهر الخير والبركات، والفتوح والانتصارات، فما عرف التاريخ غزوةَ بدر وحطين، ولا فتحَ مكة والأندلس، إلا في رمضان؛ لذا كان الصالحون يعدون إدراك رمضان من أكبر النعم:
قال المعلى بن الفضل:' كان السلف يدعون الله ستة أشهر أن يبلِّغهم رمضان!' . وقال يحيى بن أبي كثير: كان من دعائهم:' اللهم سلمني إلى رمضان، وسلِّم لي رمضان، وتسلَّمه مني متقبلًا' .
نعم، كانوا يتهيئون لرمضان بالصلاة والصيام، والصدقة والقيام، أسهروا له ليلهم، وأظمئوا نهارهم، فهو أيام مَّعْدُوداتٍ، فاغتنموها، لو تأملت حالهم، لوجدتهم، بين باك غُلب بعبرته، وقائم غص بزفرته، وساجدٍ يتباكى بدعوته، كان يدخل على أقوام صدق فيهم قول الله: { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [16] فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [17] } [سورة السجدة] .
كانوا ربانيين، لا رمضانيين، هم في صيام وقيام، في رمضان وغير رمضان: باع رجل من الصالحين جارية لأحد الناس، فلما أقبل رمضان أخذ سيدها الجديد يتهيأ بألوان الطعام، فقالت الجارية: لماذا تصنعون ذلك؟ قالوا: لاستقبال الصيام في شهر رمضان، فقالت: وأنتم لا تصومون إلا في رمضان ؟! والله لقد جئت من عند قوم السنة عندهم كلها رمضان، لا حاجة لي فيكم، ردوني إليهم، ورجعت إلى سيدها الأول.
كانوا يدركون الحكمة من شرعية الصيام، فالصوم لم يشرعْ عبثًا..نعم، ليستْ القضية،قضية ترك طعام !! أو شراب..كلا،
القضيةُ أكبرُ من ذلك بكثير، شرع لكي يعلمَ الإنسان،أن له ربًا يشرعُ الصومَ متى شاء، ويبيحُ الفطرَ متى شاء، يحكم ما يشاء ويختار، فيخشاه ويتقيه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [183] } [سورة البقرة] .
والتقوى هي الخوفُ من الجليل،والعملُ بالتنزيلُ،والقناعةُ بالقليل،والاستعدادُ ليوم الرحيل، ومن حقق التقوى؛ شعر بأن حياته كلَّها ملك لله تعالى، نعم، هذه حقيقة التقوى !! أن تطيع الله بكل جوارحك.
فهل يكون متقيًا، من يصوم بطنه عن الطعام، ولا تصوم عينه عن النظر الحرام، ولا سمعه عن السماع الحرام، ولا يصوم لسانه عن الآثام؟!
هل يكون متقيًا، من يجمع الثواب في النهار، ثم يحرق ذلك في الليل، بأغنية ماجنة، ورقصة فاتنة، يزينها له شياطين الإنس،
بل إن شياطين الإنس لم يكتفوا بليل الصائمين،وإنما أشغلوا نهارهم، أصبحت جموع من الصائمين، تتسمر أمام الشاشات في النهار والليل، واكتفوا من الصيام بالإمساك عن الطعام فقط، ولا يستشعرون أنهم وقعوا في الحرام،