د. محمد عمر دولة*
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فإنَّ المسلم يُردِّدُ في اليوم عباراتِ الحمدِ والشكرِ مراتٍ عديدة.
ففي كلِّ ركعةٍ من الصلاةِ.. يذكر العبدُ الحمدَ حين يقرأ سورةَ الفاتحة، وحين يرفعُ من الركوع.. يقول: (سمع الله لمن حمده؛ ربَّنا ولك الحمد) . وإذا أصْبَحَ العبدُ شَكَرَ ربَّه على كلِّ نِعمةٍ أنعمَ بها عليه، كما روى ابنُ عباسt أنَّ رسولَ اللهr قال: مَن قال حين يُصبِح: اللهم ما أصْبَحَ بِي مِن نِعمةٍ أو بأحدٍ مِن خَلقِك؛ فمنك وَحْدَك لا شريكَ لك؛ فلك الحمدُ ولك الشُّكرُ؛ فقد أدَّى شُكْرَ ذلك اليوم). [1]
وقُلْ مِثلَ ذلك.. في سُجُودِ الشُّكر؛ فإنَّ العبدَ إذا رأى نِعمةَ الله عليه؛ سَجدَ شُكرًا لله عزَّ وجَلَّ، وإذا تذكَّرَ العبدُ نِعمةً مِن نِعَمِ الله عليه؛ لَهَجَ بالثناءِ على الله: (ربَّنا.. لك الحمد!) (ربَّنا.. لك الشكر) ! فما الحمدُ والشُّكر؟
قال القرطبي رحمه الله:"الحمدُ في كلامِ العربِ معناه الثناءُ الكامل، والألف واللام لاستغراق الجنس مِن المحامِد؛ فهو سبحانه يستحقُّ الحمدَ بأجْمَعِه؛ إذْ له الأسماءُ الحسنى والصِّفاتُ العُلا... فالحمدُ: نَقِيضُ الذَّم، تقول: حَمدتُ الرجلَ، أحمده حمدًا فهو حميد ومحمودٌ، والتحميد أبلغُ من الحمدِ، والحمدُ أعَمُّ مِن الشُّكر. والْمُحَمَّد الذي كثرت خِصالُه المحمودة، قال الشاعر:"
وبذلك سُمِّيَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وقال الشاعر:
والمحمَدةُ خِلافُ المذمة، وأحمد الرجل: صار أمرُه إلى الحمد، وأحْمَدته وَجدتُه محمودًا، تقول: أتيت موضعَ كذا؛ فأحْمَدْته: أي صادَفْتُه محمودًا مُوافِقًا؛ وذلك إذا رَضِيتَ سُكناه أو مَرْعاه". [2] "
وقد اختلفَ العلماءُ في لَفظَي (الحمد) و (الشُّكر) : هل إنَّ مَعناهما واحِدٌ؟ أم إنَّ لِكلٍّ مِن اللَّفظَيْن معنًى يختلفُ عن الآخَر؟
فقد قال البغوي رحمه الله:"الحمدُ يكون بمعنَى الشُّكرِ على النِّعمة، ويكون بمعنى الثناءِ عليه بما فيه مِن الخصالِ الحميدة. يقال: حَمدتُ فُلانًا على ما أسْدَى إلَيَّ مِن النِّعمةِ، وحَمَدْتُه على عِلْمِه وشَجاعتِه، والشُّكْرُ لا يكونُ إلا على النِّعْمةِ؛ فالحمدُ أعَمُّ مِن الشُّكر إذ لا يُقال: شَكَرْتُ فُلانًا على عِلْمِه؛ فكلُّ حامِدٍ شاكرٌ، وليس كل شاكِرٍ حامِدًا. وقيل: الحمدُ باللسان قولًا، والشُّكرُ بالأرْكان فِعلًا قال الله تعالى: (وقُلِ الحمدُ لله الذي لم يَتَّخِذْ وَلَدًا) [3] ، وقال: (اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا) [4] ". [5]
وقد مالَ بعضُ عُلماء التفسيرِ إلى أنَّ الحمدَ أعَمُّ مِن الشُّكرِ، فقد قرَّرَه النسفي والراغبُ الأصفهاني في (مُفرَداته) وابنُ الجوزي في (زاد المسير) . وهو كلامُ المحقِّقين مِن أهلِ اللغة، كما أفادَه العلامة ابنُ فارس [6] والجوهري بأنَّ (الحمد) "خلاف الذَّم"، [7] و (الشُّكْر) :"الثناءُ على الإنسانِ بِمَعرُوفٍ يُولِيكَه". [8]
ولم يُفَرِّقْ بعضُ أهلِ التفسيرِ: كالطبري وبعضُ أهلِ اللغةِ كالمبرِّد بين الحمدِ والشُّكرِ، قال القرطبي رحمه الله:"ذهبَ أبو جعفر الطبري وأبو العباس المبرد إلى أنَّ (الحمدَ) و (الشُّكْر) بِمَعنًى واحِدٍ سواء؛ وليس بِمَرْضِي، وحكاه أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب الحقائق له عن جعفر الصادق وابن عطاء، قال ابن عطاء: معناه: الشُّكر لله؛ إذْ كان منه الامتِنانُ على تعليمِنا إياه؛ حتى حَمدناه. واستدلَّ الطبري على أنهما بمعنى؛ بِصِحةِ قولِك: (الحمد لله شُكرا) ، قال ابنُ عطية: وهو في الحقيقةِ دلِيلٌ على خلافِ ما ذهبَ إليه؛ لأنَّ قولَك (شُكرًا) إنما خَصَصتَ به الحمدَ؛ لأنه على نِعمةٍ من النعم، وقال بعضُ العلماء: إنَّ الشُّكرَ أعَمُّ مِن الحمد؛ لأنه باللسانِ وبالجوارحِ والقلب، والحمد إنما يكون باللسانِ فقط. وقيل: الحمد أعَمُّ؛ لأنَّ فيه معنَى الشُّكرِ ومعنَى المدح، وهو أعَمُّ مِن الشُّكر؛ لأنَّ الحمدَ يُوضَع مَوضعَ الشُّكرِ، ولا يُوضَعُ الشُّكرُ مَوضِعَ الحمد". [9]
وقال ابن كثير رحمه الله:"هذا الذي ادعاه ابن جرير فيه نظر؛ لأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخِّرين: أنَّ الحمدَ هو الثناءُ بالقولِ على المحمودِ بصفاته اللازمة والمتعدية، والشكر لا يكون إلا على المتعدية، ويكون بالجنانِ واللسانِ والأركانِ كما قال الشاعر"