بقلم: الدكتور جابر قميحة
كان الشعر ديوان العرب» فقد حفظ تاريخهم, وأيامهم, وأحوالهم في السلم والحرب, ونقل لنا تضاريسهم العقلية والنفسية والروحية, لذلك كان -ومازال- أشهر وأثري جنس أدبي في حياتهم.
وكان الشعر من أقوي الأسلحة في الدفاع عن الإسلام, وكم دعا النبي صلي الله عليه وسلم لحسان بن ثابت وأثني عليه, ويُروي عنه قوله عن الشاعر الشهيد عبد الله بن رواحة «إن أخا لكم لا يقول الرفث هو عبد الله بن رواحة» .
وكان عمر بن الخطاب يتمني لو كان شاعرًا حتي يرثي أخاه الشهيد زيد بن الخطاب كما رثي متمم بن نويرة أخاه مالكًا.
ومن أقواله في تقدير الشعر:
-ارووا من الشعر أعفه, ومن الحديث أحسنه...
-وكتب إلي أبي موسي الأشعري: مر من قًبلَك (عندك) بتعلم الشعر, فإنه يدل على معالي الأخلاق, وصواب الرأي, ومعرفة الأنساب.
-ومما قاله لابنه عبد الرحمن: ...واحفظ محاسن الشعر يحسن أدبك.. فمن لم يحفظ محاسن الشعر لم يؤدًّ حقًا, ولم يقترف أدبًا.
والشعراء يتفاوتون في مستوي أشعارهم, بل إن أشعار الشاعر الواحد تتفاوت في مستواها قوة وقدرة وتأثيرًا, تبعًا لمدي انفعال الشاعر بموضوعه, ومعايشته تجربته الشعورية وغير ذلك مما لا يتسع المقام لبسطه.
الشعر الخالد...
ومن الأشعار ما يخلد علي الزمان, فلا يبلَي, ولا يفقد قدرته وبريقه وتأثيره, فكأنه نظم اليوم, وهو الذي وُلد من ألف عام, أو يزيد, ويسير ويلهج به الناس مثلًا ساحرًا, وحكمة قوية الجذب والتأثير.
ومن هذا الشعر الخالد هذان البيتان للشاعر الشريف الرضًيًّ (359 - 406 هـ) يخاطب بهما الطاغية:
إذا أنت أفنيتَ العرانينَ والذُّرا
رمتٍك الليالي من يدً الخاملً الذكٍرً
وهبكَ اتقيتَ السهمَ من حيثُ يُتقي
(والعرانين جمع عرٍنين: وهو أعلي الأنف. والذّرا جمع ذروة وهي القمة. ويقصد الشاعر بالعرانين والذرا: كرام الناس وأشرافهم وأعزتهم) .
وخلاصة المعني: أيها الطاغية الجبار المفتري, إنك إذا قضيت علي معارضيك من أصحاب الإباء والشمم والشرف, انتقم الله منك بيد واحد من المغامير غير المشاهير. وقد تأخذ حذرك, وتحيط نفسك بقوة هائلة تمنعك وتحميك. ولكن قد تأتيك الضربة القاصمة من «ثغرة» لم تخطر لك علي بال, من يد ترميك من حيث لا تدري. ومن حيث لا تتوقع
سر الخلود...
وهما بيتان خالدان لا يبليان علي الزمن, وسر خلودهما:
1-أن ناظمهما شاعر نبيل شريف صادق الوجدان, ثري الفكر, موسوعي الثقافة من ذوي النخوة والشرف والمروءة والإباء وعزة النفس, لا تناقض أقواله أفعاله وأخلاقياته.
2-براعة التصوير والتعبير دون إسراف وإغراق.
3-تواتر «الحدث» وتكرُّره في كل العصور: فلا يخلو عهد من طاغية متجبر, يقضي علي كل من يقف في وجهه, مهما كان علمهم, ووضوح منهجهم, ونبل مقاصدهم. ثم تكون النهاية القاصمة الحاسمة للطاغية, التي قد تتحقق بيد مغمور لا يخطر علي بال, ولا مكانة له في المجتمع, ولا مكان له في التاريخ.
كلمة التاريخ..
ومضمون البيتين حُكم يمثل واقعًا مطردًا متكررًا علي مدار التاريخ كما أشرت آنفًا. والوقائع أكثر من أن تُحصي كشواهد علي اطراد هذه الوقائع, ونكتفي بالقليل منها:
ومن أشهرها ما حدث ليوليوس قيصر (120 ق. م - 44 ق. م) السياسي الروماني والقائد العسكري الفذ, وقد تولي القنصلية (وهي أعلي المناصب آنذاك) وكانت دورته القنصلية تنتهي في مارس 49 ق. م. ولكنه أصر علي ترشيح نفسه ثانية, فاعترض مجلس الشيوخ (السناتو) لمخالفة ذلك للقانون. فشرّدهم, وطاردهم, وأراد أن يثبت قدراته العسكرية, فسيطر علي روما, واكتسح اليونان, وشمال أفريقيا وإسبانيا. وأخذ يتطلع إلي أن ينصّب نفسه ملكًا, ولم ير فيه العالم «إلا طاغية من الطراز الإغريقي» . ثم كانت نهايته «بيد طعنته من حيث لا يدري» , نعم لم يخطر علي باله أن تكون نهايته بطعنة غادرة من «بروتس» الذي قرّبه إليه, وأخلص المحبة له. ويقال إنه لما اكتشف أن طاعنه هو صديقه «بروتس» قال قولته المشهورة «حتي أنت يا بروتس» فصارت مثلا يُضرب للصديق الذي يغدر بصديقه دون توقع (انظر الموسوعة العربية الميسرة ص 1411 - 1412) .
مصرع أُمية وفرعون العرب
كان أمية بن خلف من زعماء كفار مكة, ولما أسلم عبده «بلال بن رباح» أذاقه كل ألوان العذاب, ومنها إلقاؤه معرًّي في صحراء مكة, ووضع الحجارة المحماة علي صدره, وإغراء الصبيان به, ولكنه تمسك بعقيدته, وهاجر مع المسلمين إلي المدينة.
ولما زحف جيش الكفار لقتال المسلمين في بدر كان أمية بن خلف يتولي -ومعه بضعة من الكفار- إطعام الجيش والإنفاق عليه. وبعد انتصار المسلمين رآه بلال -ولم يعرفه إلا هو- وكان معه ابنه فصرخ بلال: يا معشر الأنصار: أمية ابن خلف رأس الكفر لا نجوتُ إن نجا, فصرعه المسلمون هو وابنه. وبذلك رماه الله برجل «خامل الذكر» في نظر الكفار.