فهرس الكتاب

الصفحة 19868 من 27345

وبعد تحقيق النصر أمر النبي صلي الله عليه وسلم المسلمين بحفر قليب (حفرة كبيرة) لدفن جثث الكفار. وكان أمية شحيمًا لحيمًا فتورمت جثته ونتنت, وحاول المسلمون حمله لإلقائه في هذا القبر الجماعي, فوجدوا أعضاءه قد تفككت, وكأنما أراد الله سبحانه وتعالي أن يُري المسلمين فيه آية. ومن إنسانية النبي صلي الله عليه وسلم أنه أمر أن يبقي مكانه, ويُحجّر عليه (أي يبني علي جثمانه قبر من حجر حتي لا يكون طعامًا للوحوش) .

أما فرعون الأمة فهو أبو جهل (عمرو بن هشام) فهو الذي قاد جيش الكفار إلي بدر. وكان هدف هذا الجيش هو تخليص أو حماية القافلة التجارية الضخمة العائدة من الشام, وعليها أبو سفيان, ولكن القافلة أفلتت من يد المسلمين. ومن ثم لم يعد أمام أبي جهل وجيشه مبرر لمواصلة السير والقتال, ولذلك نصحه بعض عقلاء الكفار بالعودة إذ لا مبرر للقتال. فرفض أبو جهل بصلافة وغرور... وهتف:

ما تنقمُ الحربُ العَوانُ مني

بازلُ عامين حديثى سني

لمثل هذا ولدتني أمي

-البازل: هو الجمل القوي - واعوان الشديدة العنيفة *

(أي أنني رجل حرب, تعجز أمامي الحرب الطاحنة, فأنا أملك قوة الشباب وفتوته) . وأعلن أبو جهل في جيش العدوان «لابد أن نقيم ببدر ثلاثًا: نأكل اللحم, ونشرب الخمر, وتغنينا القيان (الجواري المغنيات) فيسمع بنا العرب, فيهابوننا أبد الدهر» ... إنه نموذج للقائد الغبي الأحمق الطائش المفتري الذي أخذته العزة بالإثم فمضي في حماقته, ولم ينصت لصوت العقل.

وفي المقابل كانت القيادة الرشيدة البصيرة الهادية المتمثلة في شخص رسول الله -صلي الله عليه وسلم- الذي وقف في «العريشة» يدعو ربه بقلب خاشع.. ومما قال «اللهم نصرك الذي وعدتني... اللهم إن تهلك هذه العصابة (جماعة المسلمين) فلن تُعبد في الأرض» .

ورمتٍه يد من حيث لا يدري

وصُرع أبو جهل, وقام بالدور الأكبر في صرعه طفلان أخوان هما: معاذ ومعوّذ ابنا عفراء, وبعدها استشهدا بأيدي الكفار. فوقف النبي صلي الله عليه وسلم أمام جسديهما وقال «يرحم الله ابني عفراء, فإنهما قد شَرًكا في قتل فرعون هذه الأمة» فقيل: يا رسول الله, ومن قتله معهما? قال: الملائكة, ودَافَّهُ ابن مسعود (أي أجهز عليه) ».

وبذلك جاء مصرع فرعون العرب بيد طفلين «خاملي الذكٍر» ... «... يدي رمته من حيث لا يدري» ... لأنه أخذ عدته كاملة لقتال الرجال, ولم يعمل حسابًا لضربة طفلين صنعهما الإيمان.

إنجازات... إلي دمار

إن الطغاة -في العصر الحديث بخاصة- قد يقيمون من المشروعات والإنشاءات أضخمها, وقد يجهزون من الجيوش أوٍفاها عدة وعددًا. مفاخرين بهذه (النهضة) البنائية, متخذين منها ذريعة لتعطيل القوانين والهيمنة علي الشعوب, وحولهم «كتائب» المنافقين من حملة القماقم, وباعة الضمائر والأقلام. ولا يهتم هؤلاء الطغاة «ببناء المواطن» علي قيم العزة والكرامة والشجاعة والإباء والشمم, بل إنهم «يفرًّغون» المواطن من كل قيمة نبيلة, حتي يسهل التحكم فيه والهيمنة عليه.

وأذكر في هذه السياقة: شاعر القطرين: خليل مطران الذي رأي في هرم خوفو رمزًا لاستعباد الملك لشعبه علي عظمة البناء وضخامته, وهو بذلك يخالف وجهة الآخرين من الشعراء. يقول مطران في مطلع قصيدته عن خوفو

شادَ فأعلي, وبني فواطَّدا

لا للعلا, ولا له بل للعدَي

مستعبد أمتَه في يومه

مستعبد بنيه للعادي غدا

ويصرخ مطران صرخة احتجاج مشيرًا إلي من استعبدهم الملك لبناء هذا «آلقبر» فيقول:

أَكُلُّ هذي الأنفس الهَلٍكي غدًا

تبني لفان جَدَثًا مُخلَّدا?!!

* الجدث: هو القبر ويقصد الهرم الأكبر *

يا طواغيت العرب...

يا طواغيت العرب وفراعينها, هلا تأملتم هذه الكلمات الربانية:

- {...وخاب كل جبار عنيد } [إبراهيم: 15] .

- {...وقد خاب من افترى } [طه: 61] .

- {...وقد خاب من حمل ظلما} [طه: 111] .

- {.... إنَّه لا يفلح الظالمون } [الأنعام: 21] .

- {...وأغرقنا آل فرعون وكلّ كانوا ظالمين } [الأنفال: 54] .

تأملوا -يا طواغيت العرب- هذه الكلمات العلوية لتروا أن الخيبة والهزيمة والضياع والهلاك مرتبطة دائمًا بالظلم والطغيان والجبروت والافتراء... ارتباط المسبّب بالسبب.

... فتأملوا... وتوبوا إلي الله توبة نصوحا.

يا طواغيت العرب وفراعينها: انزعوا من حياتكم المنطق الجاهلي:

* ما تنقم الحرب العوان مني.. لمثل هذا ولدتني أمي. *

وأخرجوا من حياتكم المنطق الفرعوني {أليس لى ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتى } [الزخرف: 51] .

واخلعوا من حياتكم المنطق القاروني {... إنَّمّا أوتيته على علم عندى..} [القصص: 78] .

وتذكروا... بل احفظوا عن ظهر قلب -أيها الطواغيت الفراعنة- بيتي الشريف الرضيًّ:

إذا أنت أفنيت العرانين والذرا

رمتك الليالي من يد الخامل الذكر

وهبك اتقيت السهم من حيث يُتَّقي

فمن ليد ترميك من حيث لا تدري?

وإلا فانتظروا الطوفان والدمار والهلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت