يتناول الدرس الأدب الذي هو من صميم هذا الدين وقد غفل عنه كثير من الناس، وهو ضروري للمسلم مع الله، ومع الرسل، ومع الخلق . وضروري له في أحواله، فتحدث عن الأدب ماهو وما أهمية هذا الأدب،و أنواع الأدب،و نماذج من أدب الأنبياء والصالحين مع الله ،وأقوال العلماء في أهمية الأدب .
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، فالحمد لله الذي أنزل علينا هذا الدين، وأنزل فيه الأدب الذي تصلح به الحياة، وهذا الأدب الذي هو من صميم هذا الدين أمر غفل عنه كثير من الناس، وهو ضروري للمسلم مع الله، ومع الرسل، ومع الخلق . وضروري له في أحواله، حتى لو كان لوحده؛ فبالأدب يعرف المسلم ماذا ينبغى أن يكون عليه حاله في طعامه وشرابه، وفي سلامه واستئذانه، وفي مجالسته وحديثه، وفي طرائفه ومزاحه، وفي تهنئته وتعزيته، وفي عطاسه وتثاؤبه، وفي قيامه وجلوسه، وفي معاشرته لأزواجه وأصدقائه...وغير ذلك من الآداب التي لا حصر لها . ومنها آداب أوجبها الله على الصغير والكبير، والمرأة والرجل، والغنى والفقير، والعالم والعامي؛ حتى يظهر أثر هذا الدين في الواقع .
ولاشك أن من جوانب العظمة لهذا الدين هذه الآداب التي جاءت في هذه الشريعة التي تميز المسلمين عن غيرهم، وتظهر سمو هذه الشريعة، وكمالها وعظمتها . والدين أدب كله، فستر العورة من الأدب والوضوء وغسل الجنابة من الأدب، والتطهر من الخبث من الأدب؛ حتى يقف بين يدي الله طاهرًا ؛ ولذلك كانوا يستحبون أن يتجمل المرء في صلاته يقف بين يدي ربه، حتى كان لبعضهم حلة عظيمة اشتراها بمال كثير يلبسها وقت الصلاة، ويقول: ' ربي أحق من تجملت له في صلاتي ' .
ما هو الأدب؟
قال ابن حجر:' الأدب: استعمال ما يحمد قولًا وفعلًا، وعبر بعضهم عنه بأنه: الأخذ بمكارم الأخلاق، وقيل: هو تعظيم من فوقك والرفق بمن دونك' . كذلك مما ورد في تعريفه الأدب أنه: حسن الأخلاق وفعل المكارم . وقال ابن القيم رحمة الله:' الأدب اجتماع خصال الخير في العبد ومنه المأدبة: الطعام الذي يجتمع عليه الناس' فإذا هو فيه معنى الدعاء إلى الشيء والاجتماع عليه، وكذلك يطلق الأدب في اللغة على الجمع، وسمى الأدب أدبًا؛ لأنه يؤدب الناس- أي: يجمعهم إلى المحامد- والأدب هو الخصال الحميدة.
استعمالات كلمة الأدب في كتب أهل العلم
? بمعنى: خصال الخير: مثل آداب الطعام والشراب، وآداب النكاح...ونحو ذلك .
? كل ما هو مطلوب سواءً كان واجبًا أو مندوبًا: كما يفعله بعض الفقهاء؛ لذلك بوبوا، فقالوا: آداب الخلاء والاستنجاء، مع أن منها مستحب، وواجب،فقولهم: أن هذا الشيء من الآداب لا يعني أنه فقط مستحب بل ربما يكون واجبًا .
? بمعنى الزجر والتأديب: كما جاء في حديث:'عَلِّقُوا السَّوطَ حَيْثُ يَرَاهُ أَهْلُ الَبَيْتٍ فَإٍنَهُ أَدَبُ لَهُمْ 'رواه عبد الرزاق والطبراني وحسنه الألباني بطرقه . فإذا قيل أدبه يعنى: عاقبه وزجره .
أهمية الأدب
لا شك أن الأدب في الإسلام أمر مهم جدًا، وأنه يتحتم على الإنسان المسلم الالتزام بالآداب الشرعية في جميع الأمور وقد حث الإسلام المسلم أن يعتني بالآداب في أولاده وذريته، ويؤدبهم بآداب الإسلام كما قال تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا... [6] سورة التحريم . قال على رضى الله عنه: ' علموهم وأدبوهم' . ومما جاء في النصوص الشرعية في معاني ما يتعلق بالأدب والتأديب: قول النبي صلى الله عليه وسلم:' ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ ... وَرَجُلٌ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ فَغَذَّاهَا فَأَحْسَنَ غِذَاءَهَا ثُمَّ أَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ' رواه البخاري ومسلم . وقوله صلى الله عليه وسلم:'كل شيء ليس من ذكر الله فهو لهو ولعب إلا أن يكون أربعة... وَتَأْدِيبُ الرَّجُلِ فَرَسَهُ ' رواه النسائي وهو حديث صحيح . يعني: ترويضه وتعليمه .
أنواع الأدب
? أولا الأدب مع الله سبحانه: وله أمثلة كثير، منها:
نهي المصلى عنه رفع بصره إلى السماء، فهذا من كمال أدب الصلاة أن يقف العبد بين يدي ربه مطرقًا خافضًا طرفه إلى الأرض وما يرفع بصره إلى فوق، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله .
النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود: قال شيخ الإسلام: أنها من الأدب مع الله سبحانه ؛ لأن القرآن كلام الله، قال:' وحالتا الركوع السجود حالتا ذل وانخفاض من العبد، فمن الأدب مع كلام الله ألا يقرأ في هاتين الحالتين' .
ألا يستقبل بيته - الكعبة- في قضاء الحاجة ولا يستدبر، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورجح ابن القيم رحمه الله أن هذا الأدب يعم الفضاء والبنيان.
وضع اليد اليمنى على اليسرى على صدره في الوقوف في الصلاة .