فهرس الكتاب

الصفحة 3934 من 27345

الإحياء السّني

د. محمد العبدة 17/9/1426

تمهيد:

عندما قضى السلطان محمد بن ملكشاه السلجوقي على معظم قلاع ومراكز الحشاشين الباطنية، والتي تمركزت في إقليم فارس وحول بحر قزوين، عندما قضى عليهم علّق المؤرخ الجويني بقوله:"لقد استراح المسلمون، بل استراح العالم". فهذا المؤرخ يعتبر أن العالم كله -بمن فيهم الكفار- قد استراحوا من هذه الفئة التي اتخذت الاغتيالات وسيلتها وسبيلها. قال الشيخ رشيد رضا متحدثًا عن القرامطة:"عاثوا في الأرض فسادًا وهدموا المساجد، ولم يكن في الحروب الصليبية على طولها في الصد عن ذكر الله وعن الصلاة مثلما كان على عهد القرامطة" (1) . ويؤيد كلمة الجويني -وأن ما يفعله هؤلاء شيء لا يفعله الكفار الأصليون- ما ذكره القاضي عياض عن الدولة العبيدية والتي تُسمّى بـ الفاطمية قال:"وكان أهل السنة بالقيروان أيام بني عبيد في حالة شديدة في الاهتضام والتستر، ولما أظهر بنو عبيد أمرهم نصبوا حسينًا الأعمى السباب - لعنه الله- في الأسواق لسبّ الصحابة توصلًا إلى سبّ النبي صلى الله عليه وسلم، ومن تكلم من علماء السنة قتل، كما فعل عبيد الله سنة (309) هـ بقتل الفقيه حسن بن مفرج؛ لأنه بلغه أنه يفضل بعض الصحابة على علي" (2) .

إن من بدع هذا العصر أن يُروّج مصطلح ما ويستسلم الناس له، ويغدو مألوفًا وكأنه حقيقة لا تقبل المجادلة أو الردّ. والإعلام الموجه أو السطحي يرسخ هذا المفهوم. فقد روّجت الصهيونية مصطلح (السامية) ، وأصبح كل من ينتقد تصرفات اليهود أو الصهيونية فهو معاد للسامية، وتحول هذا إلى تهمة وسيف مسلط على كل من يتكلم -ولو بحق- عن أي سلوك لأي شخصية يهودية في العالم (3) ، وشبيه بهذا مصطلح (الطائفية) ؛ إذ يُمارس الإرهاب الفكري، وبمجرد أن تذكر السنة وأهل السنة حتى تُتّهم بأنك طائفي، وهذا تمييع للأمور حتى تلتبس على الناس المناهج، وحتى يصبح من العيب أن تذكر (أهل السنة) مع أنهم هم جمهور الأمة الإسلامية، وهم أبعد الناس عن الطائفية بمعناها الضيق، وهم بناة الحضارة الإسلامية؛ لأن الفرق الأخرى بسبب غلوّها وعيشها ضمن دائرة مغلقة في الفكر لا تستطيع إنتاج حضارة، فهي تعيش تحت وقع اللامعقول والأحزان الدائمة والكره للآخرين، والحضارة تقوم على التسامح والحوار وليس على الحقد، ولذلك نقول: نعم يجب أن نتكلم عن الإحياء السني؛ لأنه يمثل العدل والرحمة والإنصاف، وهو خير لكل المسلمين وللبشرية، كما يقول الشيخ عبد الحميد بن باديس:"نهضتنا بُنيت على الدين فكانت سلامًا على البشرية، لا يخشاها -والله- النصراني لنصرانيته، ولا اليهودي ليهوديته، بل ولا المجوس لمجوسيته، ولكن يجب أن يخشاها الظالم لظلمه، والدجّال لدجله والخائن لخيانته.." (4) . وأهل السنة هم الذين دافعوا عن الإسلام طوال العصور، دافعوا الصليبيين والتتار، ودافعوا الاستعمار الغربي الحديث في المغرب العربي والشام ومصر وداغستان.. وإذا كان الحديث ضروريًا عن الإحياء السني من الناحية العقدية والفكرية والتجربة التاريخية، وبخاصة عندما تزداد المحن، وتتوالى الأزمات، ويرجع الناس إلى ما يوحّدهم ويبرز هويتهم فإننا سنتحدث عن تجربة هي مثال من تجارب كثيرة تعطينا الضوء على نجاح باهر تحقّق عندما عادت الأمة إلى وحدتها وهويتها، وكانت رجوعًا للحق وزهوقًا للباطل.

الإحياء السني وتجربة صلاح الدين:

عندما وصلت الحملة الصليبية الأولى إلى بلاد الشام عام 491هـ كانت بلاد الشام ومصر في حالة مزرية من الضعف والانقسام، وكذلك كانت الخلافة العباسية في بغداد، ليس لها من الخلافة إلا الاسم والرمز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت