فهرس الكتاب

الصفحة 3935 من 27345

وجدت الحملة الصليبية مدنًا خالية من التحصينات لا يربط بينها نظام دفاعي، وإن وقع دفاع فهو من قبل المتطوعين، وليس من الجيوش الرسمية، وإذا استطاعت مدينة مثل أنطاكية أن تواجه الغزاة وحدها وتصمد مدة تسعة أشهر، ولكن لا أحد من المدن المجاورة هب لنجدتها. كان الحكام موزعي الأهواء والولاءات، شغل كل واحد منهم الحفاظ على مدينته أو إقطاعه، لقد فقدوا الإحساس بالمسؤولية الدينية والخلقية وبعضهم تآمر مع الأعداء ففي عام 492هـ وقع أول هجوم صليبي على مدينة عسقلان بعد احتلال القدس، وقد استغرب الوزير الفاطمي (الأفضل) هذا الهجوم، فقد كانت له اتصالات بالصليبيين في المراحل الأولى في حملتهم، بلغت حد تحريضهم والتحالف معهم على تقاسيم الشام، الجنوب للفاطميين والشمال للغزاة (5) وفي عام 523هـ قام أحد دعاة الباطنية من فرقة الحشاشين بمراسلة الفرنجة ليسلم إليهم دمشق ويسلموا له مدينة صور واتفقوا على ذلك، فبلغ الخبر متولي دمشق (بوري بن طغتكن) فاستدعى رئيس هذه الطائفة وقتله، ونادى في البلد بقتل الباطنية. وكفى الله المسلمين شرهم (6) . وفي عام 569هـ اجتمع جماعة من دعاة الفاطميين وبعض العوام، وتآمروا فيما بينهم خفية، وأجمعوا على أن يقيموا خليفة ووزيرًا، وقرروا أن يكاتبوا الفرنج، وأدخلوا معهم في هذا الأمر بعض النصارى واليهود، وراسلوا ملك صقلية النورماندي، واتفقوا مع رشيد الدين سنان شيخ الجبل الإسماعيلي في (مصياف) (7) لاستغلال خناجر مريديه لاغتيال صلاح الدين، وقالوا له: الدعوة واحدة والكلمة جامعة..." (8) وقد تعرض فعلًا صلاح الدين إلى عدة محاولات لاغتياله من قبل هؤلاء الحشاشين، ولكن الله نجاه منهم. ولم يسلم منهم في العصر الحديث أيضًا؛ إذ تعرض لحملة تشويه من قبل حسن عبد المحسن الأمين، حيث وصف صلاح الدين بكلمات سوقية بأنه (مخادع) (استسلامي) وأنه (مجرم) يستحق القتل!! ووصف المؤرخين السنة بأوصاف لا تصدر إلا عن سفه وحقد دفين فقال عن أبي شامة: إنه (بذيء) وابن كثير (سفيه) ومحمد كرد علي (صاحب الأباطيل) (9) ."

ونعود إلى الدولة العبيدية التي انتهت على يد صلاح الدين، فقد وُصفت قصور هذه الدولة بأنها مملوءة بالمنكرات والبدع، وبها عسكر من الأرمن، باقون على النصرانية، وكانت لهم شوكة هذا الوضع الفاسد الذي وصفناه في الأسطر السابقة، تغير عندما بدأت مرحلة الجهاد واسترجاع المدن الإسلامية من أيدي الفرنجة، بدأ هذا عماد الدين زنكي، ثم ابنه نور الدين محمود، وتوحدت بلاد الشام تحت قيادة نور الدين، وكان من خيار الملوك حزمًا وعزمًا وعدلًا، وجاءت فرصة لإعادة مصر إلى السنة وإنهاء الدولة الباطنية فيها، وذلك عندما استنجد وزيرهم (شاور) بنور الدين، وكانت الدولة العبيدية تستنصر بالصليبيين تارة وبالدولة في الشام تارة أخرى، فكانت فرصة للقضاء على هذا التذبذب، ولتوحيد الجبهة الإسلامية أمام خطر الفرنجة، والذي قام بهذه الخطوة هو صلاح الدين، وبطلب وإلحاح من نور الدين في دمشق، وكان صلاح الدين قد أعد لهذا الأمر عدته، ومهّد له، يساعده في ذلك ويؤازره بفكره وقلمه ومعرفته بمصر وقصور الفاطميين الكاتب والإداري والوزير عبد الرحيم البيساني العسقلاني الملقب بـ (القاضي الفاضل) .

أعاد صلاح الدين مصر إلى السنة، وبدأ بفتح المدارس ونشر العلم وأعاد فريضة الزكاة التي كانت الدولة الفاطمية قد ألغتها، وكان هذا إيذانًا بعودة مذهب أهل السنة، وجعل الزكاة هي البديل عن المكوس والرسوم غير الشرعية. وزُفّت البشائر إلى الخلافة العباسية في بغداد، ويكتب القاضي الفاضل الرسائل يظهر فيها حقيقة هؤلاء الباطنية، كما تظهر هذه الرسائل وعي هذا الوزير ووعي العلماء لخطورة هذه الدولة، وما تفرغ عنها من فرق يقول في رسالة:"أكتب إليكم وعلم الجهاد مرفوع، وسبب الفساد مقطوع، وقد توالت الفتوح غربًا ويمنًا وشامًا، وأضحى الدين واحدًا بعدما كان أديانًا، والخلافة إذا ذكر بها أهل الخلاف لم يخروا عليها إلا صمًا وعميانًا، والبدعة خاشعة والجمعة جامعة..."ويكتب أيضًا شارحًا أوضاع الدولة العبيدية ومبلغ تحريفهم للدين"ذلك بأنهم سموا أعداء الله أصفياء، وذلك المذهب قد خالط من أهله اللحم والدم، وتلك الأنصاب قد نصبت آلهة من دون الله، هذا إلى استباحة ظاهرة للمحارم، وتحريف للشريعة بالتأويل، وكفر سُمّي بغير اسمه، وأحكام الشريعة وإن كانت مسماة فإنها متحاماة، وقد فرقوا أمر الأمة، وليس السيف عمّن سواهم من كفار الفرنج بصائم ولا الليل عن سير إليهم بنائم.." (10) .

جهود ساهمت في الإحياء السني:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت