فهرس الكتاب

الصفحة 3936 من 27345

لم ينتصر صلاح الدين على الصليبيين ويحرر القدس والمسجد الأقصى إلا بعد أن قام بهذا الإحياء، وقضى على الباطنية، وأعاد توحيد الشام ومصر وإقليم الجزيرة، وكان للعلماء دور كبير وللإداريين أيضًا مثل: القاضي الفاضل، وعماد الدين الأصفهاني بل إن مأثرة القاضي الفاضل تكمن في تصوره الإستراتيجي الذي يقوم على أساس توحيد العالم الإسلامي، ومن خلال راية واحدة والحد من سلطة المذاهب الرديئة وإعادة الهيمنة السنية.

1-العلماء: كان أول المتصدّين للاجتياح الفرنجي الفقيه الشافعي علي بن طاهر السلمي (431-500) الذي اتخذ من جامع دمشق مركزًا لبثّ آرائه، وكان رحمه الله يدرك أبعاد الحملة الصليبية، وأنها حرب شاملة على الإسلام، وأنها تجمع من القوى الغربية، وتقاطر العلماء من الحنابلة والمالكية إلى القدس ودمشق والإسكندرية رغبة في إزالة الظل الفاطمي، وعاشت في الإسكندرية جالية مغربية هاجرت من الأندلس ومن صقلية، وبنوا المدارس وبثوا تعاليم السنة وروح الجهاد، ومنهم الفقيه المالكي أبو بكر الطرطوشي الذي اعتذر عن إقامته بالإسكندرية رغم عدم إقامة الجمعات بقوله:"إن سألني الله عن المقام في الإسكندرية أقول له: وجدت قومًا ضلالًا فكنت سبب هدايتهم" (11) ومن علماء الشافعية في الإسكندرية المحدث الكبير أبو طاهر السلفي، وقد بنى له الوزير السني ابن السلا مدرسة سنة 544هـ، ومن العلماء الذين كان الأثر الواضح الواعظ زين الدين علي بن نجا الحنبلي والفقيه عيسى الهكاري الشافعي والقاضي ابن شداد الذي كتب سيرة صلاح الدين.

2-المساجد: ظل جامع عمرو بن العاص في الفسطاط (12) مركزًا علميًا سنيًا ذا شأن منذ بنائه، وكان بعض العلماء الوافدين على مصر من الأندلس أو من المشرق يدرسون في هذا الجامع، وظل الناس يجتمعون حول (رموز) مثل: أبي عمرو بن مرزوق والواعظ ابن نجا، ولعل الأخير قدم من دمشق بإشارة من نور الدين للمساهمة في الإحياء السني ولتهيئة الرأي الشعبي، وعندما قدم أسد الدين شيركوه (عم صلاح الدين) إلى مصر بتكليف من نور الدين استغل فرصة وجوده، وذهب إلى الفسطاط، وزار بعض علماء السنة.

3-المدارس: أسس صلاح الدين عددًا من المدارس في القاهرة وعلى المذاهب الأربعة، وكانت هذه المدارس استمرارًا لما بدأه الوزير نظام الملك في الدولة السلجوقية، وما قام به نور الدين في الشام، وهذه المدارس بداية حركة بنائية سنية، ساهم فيها كثير من الأيوبيين خلال حكم صلاح الدين، وقد بنى القاضي الفاضل مدرسة كبيرة في القاهرة، ووقف عليها مكتبته.

4-الاهتمام بجمهور الأمة: لقد دل الوعي الشعبي الذي رافق حصار الإسكندرية من قبل التحالف الصليبي الفاطمي بقيادة وزير الفاطميين (شاور السعدي) دل على عمق الصلة بين علماء السنة وأهالي الإسكندرية، هذه الصلة التي رعاها أمثال الطرطوشي وأبو طاهر السلفي، وكان صلاح الدين مع أهالي الإسكندرية في هذا الحصار، يشد من أزرهم ويرفع من معنوياتهم، وأثناء الحصار طلب شاور من أهالي الإسكندرية تسليم صلاح الدين ويضع عنهم المكوس (الضرائب) ، ويعطيهم الأخماس، فأجابوه"معاذ الله أن نسلم المسلمين إلى الفرنج والإسماعيلية" (13) .

إن اهتمام صلاح الدين بعامة المسلمين كان بإلحاح من وزيره القاضي الفاضل الذي يقول له في إحدى رسائله:"فاعمر أوطانهم التي أخربها الجور والأذى، وانفِ عن مواردهم الكدر والقذى"فهذا الوزير كان يخطط لوحدة الأمة أمام الغزو الفرنجي الذي ذاق مرارته في وطنه فلسطين وفي بلده عسقلان.

وبعد:

فإن هذه الجهود، وهذه العودة لم تكن لتثمر وتأتي بهذه النتائج العظيمة وهذه الانتصارات الباهرة لو لم يكن وراءها إخلاص عميق لله، وإخلاص للمبدأ، وإنكار للذات، وبعد عن شهوات النفوس.

يصف القاضي ابن شداد صلاح الدين، وقد كان لصيقًا به في السنوات العشر الأخيرة من حياته، لا يفارقه ليلًا ولا نهارًا يقول:"لقد كان رحمه الله شديد المواظبة على الجهاد، قد استولى حبه على قلبه، ولقد هجر في محبته أهله وأولاده ووطنه وسكنه، وقنع من الدنيا بالسكون في خيمة تهب بها الرياح يمنة ويسرة، وقد تكالبت عليه الأمراض، حتى لم يكن يستطيع الركوب ولا الجلوس على الطعام، ومع ذلك فإنه يركب من بكرة النهار إلى صلاة الظهر وهو صابر على شدة الألم ويقول:"إذا ركبت يزول عني ألمها حتى أنزل"ويقول عنه ابن الأثير:"كان رحمه الله كريمًا حليمًا متواضعًا صبورًا على ما يكره"وقد توفي، ولم يوجد في خزانته من الفضة إلا سبعة وأربعون درهمًا، ومن الذهب إلا جرم واحد صوري، وقد وصفه وزيره القاضي الفاضل بأنه"قليل اللذات، كثير الحسنات، متقللًا في مطعمه ولباسه، وله معروف في السر والعلانية، يهتم بأصحاب الفضائل، ويؤثر أرباب البيوت وذوي النباهة، محبًا للغرباء، مكرمًا للأصدقاء.."."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت