يتناول الدرس المبشرات التي ترسم أشعة الفجر الجديد وتملأ النفوس المسلمة باليقين وتستشعر قرب التمكين، ويعرض أسباب يأس بعض الناس ثم يكر عليها مفندا لها وذاكرا البشائر وأسباب التفاؤل من الكتاب والسنة وواقع السنن الربانية والأمم الغالبة والمغلوبة، ثم يذكر بعض حكم الابتلاء بغلبة الأعداء على المسلمين ثم أخيرًا وصايا ونتائج مهمة.
إن الحمد لله؛ نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد،،،
في وقت تكالبت فيه المصائب والمحن على المسلمين والجراح تنزف في كل جزء من جسد هذه الأمة.. في وقت ضاقت فيه القلوب حتى أصاب كثيرًا من الناس اليأس والقنوط، فما أن تذكر الأمة الإسلامية حتى تسمع الزفرات، والآهات، والحوقلة، والاسترجاع، وكأن الأسباب تقطعت والآمال تدثرت.. في هذا الوقت العصيب أزف إليكم هذه المبشرات؛ لترسم أشعة الفجر الجديد، ولتملأ النفوس المسلمة باليقين، وأزفها إليكم؛ لتشعر القلوب الحية بالعز والتمكين، وليشرق بها أعداء الدين، وليغص بها الكافرون والمنافقون . إن ميلاد الأمة قريب، ولابد للميلاد من مخاض، ولا بد للمخاض من آلام. ومن رحم الظلام يخرج النور، والليل إن تشتد ظلمته فإن الفجر لاح:
أبشر فهذا الفجر لاح ها نحن جئنا يا صلاح
قد أدبر الليل العميل وجاء للدنيا صباح
ما دام عرقي نابض لن تعرف النفس ارتياح
حتى أرى شعبي وليس له عن الأقصى براح
إن العالم الإسلامي بأسره يعيش لحظات عصيبة وساعات حرجة، إنه التحدي السافر لهذه الأمة في عقيدتها، وتاريخها، وإسلامها، ومستقبلها.. أمر مفزع مروع . هذا الواقع جعل كثيرًا من المسلمين عرضة لليأس والقنوط، ومن ثم للخمول والقعود، وإن اليأس في قلوب هؤلاء ناتج عن أسباب .
أسباب يأس بعض الناس:
أولًا:ما يرونه من جهود الأعداء في محاربة الإسلام ومواجهة أهله: مستخدمين كل طاقاتهم من تقدم تكنولوجي، وكل وسيلة من وسائل الاستعمار الفكري.
ثانيًا: بعد الناس عن دين الله وموت الإحساس لدى الكثير منهم: فهو لا يعلم عما يجري لإخوانه، وإن علم فكأن الأمر لا يعنيه، فالمهم نفسه وماله، وهذا هو الهوان الذي أشار إليه الحبيب صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [...حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ] رواه أبوداود وأحمد .
ثالثًا:يقظة الأعداء ومواجهتهم لأي جهد يبذله المسلمون: مما حدا بكثير من المسلمين والمسلمات إلى الاستسلام، والخمول، والتثبيط عند بذل أي جهد، فالخوف والرعب يأكل قلوبهم .
رابعًا:الجهل بالغاية التي خلق من أجلها الإنسان: يا أيها الإنسان أنت خلقت لغاية عظيمة، نبيلة هي: عبادة الله عز وجل بمفهومها الحقيقي، الذي عرفه أهل العلم بقولهم:' اسم جامع لكل ما يحبه الله من الأقوال، والأفعال الظاهرة والباطنة' لاكما يريدها الأعداء أن تكون في المسجد . إن العبادة التي يريد الله بمفهومها الحقيقي ذلك المعنى العام الذي يشمل كل نواحي الحياة . فاسأل نفسك: لماذا خلقت؟ أمن أجل أن تأكل، وتشرب، وتنام، وتقوم؟! أمن أجل الملذات والشهوات؟! هذا والله هو شأن الحيوان، بل إن ذلك الإنسان أضل من الحيوان، كما قال عز وجل: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [179] "سورة الأعراف" غفلوا عن الحقيقة التي من أجلها خلقوا؛ فعاشوا أضل من الأنعام؛ لمجرد الملذات والشهوات.. لمجرد البيع والشراء.. لمجرد أن يحيى الإنسان ويذهب في هذه الدنيا. بئس الحياة إن كانت هذه هي الحياة التي يعيشها المسلم! إنك خلقت لهدف أسمى: لرضى الإله . فهل أنت راض عن نفسك؟ ماذا قدمت لله؟ ماذا قدمت لنفسك يوم أن تقدم على الله ؟ عندها تقول بملء فيك:لا لعبادة العباد.. لا لعبادة الشهوات والملذات.. [ تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ] رواه البخاري. هذه هي عبادة الدنيا كما تبعها كثير من الناس .
خامسًا: الجهل بطبيعة هذا الدين .
هذه الأسباب الخمسة، وغيرها جعلت كثيرًا من الناس يصيبه اليأس وتداخله الشكوك لنصرة هذا الدين وتمكينه في هذه الأرض. وحتى نقطع الطريق على هؤلاء اليائسين الخائفين، فإني أقول بكل ثقة ويقين: أبشروا بنصر الله، فإن البشائر والمبشرات كثيرة ولله الحمد، المهم أن نتفاءل .
البشائر وأسباب التفاؤل: