فهرس الكتاب

الصفحة 19513 من 27345

د. عبد العزيز القارئ 15/1/1424

إن الله تعالى بعث الرسل بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها (1 ) .

فقاعدة: ( جلب المصلحة ودفع المفسدة ) إذن هي مدار الشريعة كلها، فمن لم يفقه هذه القاعدة فلا علم له بالشريعة ؛ لأن الشريعة إنما جاءت لجلب المصالح للناس ولدفع المفاسد عنهم، فما أمرت بشيءٍ أو أباحته إلا وفيه مصلحة محققة، ولا نهت عن شيءٍ ومنعته إلا وفيه مفسدة محققة، وقد يكون في الشيء مصالح ومفاسد، ولكنها تمنعه لرجحان المفسدة، أو تبيحه لرجحان المصلحة.

ونصوص الكتاب والسنة حافلة بما يبين ذلك، فشريعتنا الإسلامية والحمد لله ليست جامدة، وأحكامها ليست طلاسم لا يعقل معانيها أحد، ولا يعلم عللها فقيه ؛ ولذلك كان معظم الأحكام إنما ثبت بالقياس، ويثبت بالقياس في كل عصر حيثما تتجدد الحوادث، ولو كنا مأمورين بالتوقف عند ظواهر النصوص فلا نتجاوزها بالاستنباط إلى عللها ومعانيها إذن لوقع الناس في الحرج ؛ لأن النصوص محدودة، والحوادث غير محدودة.

قال تعالى: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ ) [ 157 / الأعراف ] . فها هنا علَّلَ لتحليل الحلال بأنه من الطيبات ؛ أي الأشياء النافعة، و علَّلَ لتحريم الحرام بأنه من الخبائث، والخبيث هو الضار، يُفهَم هذا التعليل من الوصف.

ومن أبلغ الأمثلة على الموازنة بين المصالح والمفاسد قوله تعالى في الخمر والميسر: ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ) [ 219 / البقرة] .

المراد بالإثم هنا الضرر لأنه ذُكر في مقابل النفع ؛ فإذن حُرِّمت الخمر والميسر لغلبة الأضرار فيهما على المنافع.

وهكذا كل شيءٍ أو فعلٍ أو قولٍ فيه مصالح وفيه مفاسد ينبغي فيه الموازنة بينهما، والحكم بناءًا على نتيجة هذه الموازنة.

وهذا أمر لا يعقله إلا العالِمُون ؛ فيحتاج إلى فقهاء عقلاء حكماء، وإلا فكم من مصلحةٍ توهَّمَهَا أناسٌ وهي مفسدة ؛ فلا ينبغي أن يتصدى للحكم في ذلك من لا بضاعة عنده من فقه الشريعة، ولا من لا قريحة عنده من الفقهاء.

ومن يشتغل بالفقه درجات:

أولها: حامل الفقه غير الفقيه ( الرواة ) .

ثانيها: حامل الفقه الفقيه ( الفقهاء ) .

ثالثها: حامل الفقه الأفقه ( أهل الاستنباط ) .

والفقه أنواع: منه فقه الأحكام، ومنه فقه التطبيق، ومنه فقه السياسة الشرعية.

وليس كل من فَقِه الأحكام يفقه كيف يُنَزِّلها في مواقعها، فهذا فقهٌ برع فيه بعض الفقهاء، وليس كل فقيه في الأحكام وفي التطبيق يتقن الفقه السياسيّ، وليس كل من يتقن الفقه السياسيّ نظريًا يتقنه عمليًا، فالفقيه السياسي أَنْدَرُ من الكبريت الأحمر، وأَنْفَسُ من الذهب الإبريز.

من أعظم ميزات الفقيه السياسي أنه ذكي، ذو بصر نافذ وبصيرة وقّادة، الفقيه الساذج لا يتعدى بصرُه أرنبةَ أنفه، والفقيه السياسي يقرأ ما وراء السطور، ويتعدى بصره الحاضر إلى المستقبل، ويُقدِّر العواقب، ويعرف أحوال الناس، ويواكب التطورات، ويحسب حساب المتغيرات، فهو لذلك لا يُخدَع، ومجالُ السياسة مجالُ خداعٍ ومكرٍ..

والآن ونحن في عصر بَلَغَ فيه ( المكر السياسي ) ذروته، يُدَار فيه العالم بخطط"استراتيجية"مُحْكَمَةٍ، يتظافر عليها دراسةً وتحليلًا وتخطيطًا أَبَالِسَةٌ محَنّكون، ويساعدهم في ذلك هذا التطور (المعلوماتي ) الهائل، وتنفذ تلك الخطط بدقة بالغة وعلى مراحل مدروسة..

قبل عشرات السنين وهم يدربون قواتهم على القتال في أجواءَ صحراويةٍ تشبه أجواءَ الصحاري العربية في الخليج وفي الجزيرة العربية وفي العراق، وهاهم وقد وصلت قواتهم إلى هذه المناطق الهامة من العالم..

في مثل هذه الأزمنة نحن بأمس الحاجة إلى الفقيه والأفقه، فالرواة لا يُغْنُونَ شيئًا، ونحن بأمس الحاجة إلى العقليات الفقهية السياسية الذكية، أما العلماء السَّاذجُون فلا يُغْنُونَ شيئًا، وأما الوعاظ والخطباء الفارغون فإن كثرتهم من علامات الفشل..

ويا ليت في الأمة فقيهًا واحدًا ذا عقليةٍ"استراتيجية"في السياسة الشرعية ؛ إذن أكون أول من يبايعه خليفةً على المسلمين، وقائدًا لهم غيرَ مُنَازَع.

إن المصالح العليا للمسلمين في كل زمان ومكان، ومن باب أولى في زماننا هذا، والتي يجب أن تكون أهدافًا"استراتيجية"للدعوة الإسلامية، وللحركات الإسلامية، ولكلّ نشاطٍ إسلاميّ، هي الآتي:

1)عبادة الله تعالى بحريةٍ، دون عائق أو مانعٍ، بإقامة الصلوات، وغيرها من الشعائر الدينية، وبالتزام الآداب الإسلامية.

2)تَمَكُّن المسلمين مع ذلك من تطبيق الأحكام الضرورية من الشريعة الإسلامية كالأنكحة وما يتبعها من مسائل الطلاق والرضاع ونحو ذلك، وتمكُّنُهم من الدعوة إلى الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت