فهرس الكتاب

الصفحة 18315 من 27345

د.جابر قميحة*

سيظل سيد قطب (1906 - 1966) علمًا من أعلام الفكر والعقيدة والإسلام علي مدار التاريخ الإنساني كله, وقد رصد قلمه لأداء الكلمة الحرة الصادقة مهما كانت مرارتها, وكان قوي العارضة, حاضر الذهن, واسع الثقافة, قديرًا علي الأداء, مؤمنا بأن الكلمة عبث وضياع إذا لم تنتصر للقيم الإنسانية عقيدةً, أو فكرًا, أو أدبًا.

وقد أبان عن وجهته وطوابعه هذه في كل ما كتب. ويسجل له التاريخ محاضرته الطويلة التي ألقاها في كلية دار العلوم سنة 1932 وهو لا يزال طالبًا بها, وعنوانها «مهمة الشاعر في الحياة» , وقد طُبعت في كتيب بعد ذلك, وجعل منها فصلًا ومنطلقًا في كتابه العظيم «النقد الأدبي: أصوله ومناهجه» . وكتب مقدمة هذا الكتيب أستاذه مهدي علام. ومما جاء فيها «.... وقصاري القراء أن أقول لهم إنني أعدّ سيد قطب مفخرة من مفاخر «دار العلوم» , وإذا قلت دار العلوم فقد عنيت دار الحكمة والأدب».

وتوالت مقالاته بعد ذلك, وألف عددًا من الكتب من أهمها «العدالة الاجتماعية في الإسلام» و «التصوير الفني في القرآن» و «مشاهد القيامة في القرآن» ونظم عشرات من القصائد الشعرية جُمعت بعد ذلك في دواوين.

ألمحهم في خيالي قادمين

وفي الأربعينيات من القرن الماضي -وكان يعمل في وزارة المعارف المصرية- أخذ يهاجم في مقالاته الفساد الملكي, والإقطاع, والظلم الاجتماعي, والفساد في السياسة التعليمية, والاستعمار الإنجليزي, وأذنابه من المصريين, أو «الإنجليز السّمٍر» كما كان يصفهم سيد قطب. كان ينشر آراءه الجريئة هذه في عدد من الصحف والمجلات مثل البلاغ الأسبوعي- والأسبوع- والرسالة, والشئون الاجتماعية. ووجد متنفسه الأرحب في مجلة «الفكر الجديد» التي أصدرها بتمويل محمد حلمي المنياوي, صاحب دار الكتاب العربي.

وضاق القصر الملكي والحكام بجرأة سيد قطب, فحلّت وزارة المعارف هذه المشكلة بإيفاده في بعثة إلي الولايات المتحدة لمدة عامين (1948 - 1950) لدراسة المناهج التعليمية. وقد رأي كيف ضج الأمريكان بالفرحة وكيف تبادلوا التهاني حين بلغهم مقتل الإمام حسن البنا. فانفتح قلبه وعقله للإخوان ودعوتهم, وعاد سنة 1950 إلي مصر صاحب رسالة ودعوة -كما يقول الدكتور صلاح الخالدي- «مزودًا بالتجارب والخبرات حيث كانت أمريكا بداية المنعطف الجديد في حياته. لقد وجد نفسه وإيمانه وإسلامه هناك, فسار في طريقه حتي نال الشهادة» .

وأذكر -في هذا المقام- أن الشهيد سيد قطب أهدي الطبعة الأولي من كتابه «العدالة الاجتماعية في الإسلام» قائلًا: «إلي الفتية الذين ألمحهم في خيالي قادمين يردون هذا الدين جديدًا كما بدأ.. يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون...» .

وفي الطبعات التالية أهدي كتابه إلي هؤلاء الفتية الذين أصبحوا حقيقة واقعة

المحرقة وعام الحزن..

وأقبلتُ علي كل ما كتب سيد قطب, وما يكتب, وخصوصًا «في ظلال القرآن» الذي كان يصدر تباعًا في أجزاء, وكان الجزء يباع بخمسة قروش. وأصبح سيد قطب كاتبي الأثير. وفي بيتنا بالمنزلة (مسقط رأسي) خصصت حجرة لمكتبتي التي ضمت عددًا كبيرًا من الكتب في الأدب والشعر والفكر الإسلامي.

وفي يوم من منتصف الخمسينيات -من القرن الماضي- عدت من القاهرة إلي المنزلة لقضاء عطلة الصيف بعد أن أديت امتحاني في السنة الثانية من كلية دار العلوم. وشعرت بصدمة عنيفة, وأنا أري رفوف مكتبتي لا تحمل كتابًا واحدًا... ورأيت في عيون أبي وأمي, وأفراد الأسرة نظرات فيها انكسار وإشفاق» فهم يعلمون مدي اعتزازي بكل ورقة من كتاب.... وصرخت هائجًا بصوت مرتعش:

-أين كتبي?... أين كتبي..?

وبدأ أبي يهدئ من ثائرتي:

-معلهش كل شيء.. يتعوض إن شاء الله..

-يتعوض!!... يتعوض يعني إيه?

-يا ولدي انت عارف إنهم يقبضون علي الإخوان... ودول ناس «جبارين» ... لا يعرفون الرحمة, فاضطررنا إلي....

ولم أتبين بقية كلمات أبي... فقد دارت بي الدنيا, واستنتجت ما حدث.. -وهو ما تأكد لي فيما بعد- فقد نقلوا الكتب علي دفعات... وحرقوها دفعة دفعة في «فرن» بلدي, ببيت أحد أقاربي المجاورين.

ولا أستطيع أن أصور عمق حزني آنذاك.. إنه كحزن من فقد أبناءه جميعًا في محرقة لم تُبقً منهم حتي الرماد. وكان حزني علي أجزاء «في ظلال القرآن» أشد وأعتي, وذلك لأنني سجلت علي هوامشه ملاحظات وتعليقات كثيرة جدًا, حاولت -فيما بعد -استعادة بعضها فعجزت عجزًا مطبقًا, وكأن شدة الصدمة قد قتلت قدرتي علي التذكر والاستعادة.

من الشهادة إلي العالمية

ولكن وجه الخير في هذه المحرقة أنها ألهبت مشاعري بمزيد من حبي لسيد قطب, وعمّقت إيماني بقلمه مفكرًا إسلاميًا, وأديبًا وشاعرًا وناقدًا, فنال من إقبالي واهتماماتي الحظ الأوفي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت