فهرس الكتاب

الصفحة 12789 من 27345

والأخطار المحدقة بذاتية الحضارة الإسلامية

إذا كانت العودة إلى ذاتية الإسلام هي شرط عودته كما بشرنا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الحرب الاستباقية الثقافية ضده - وقد أدركت بحسها الحضاري صدق هذا الشرط - بادرت من جهتها إلى محاولة تدمير هذه الذاتية قبل أن تأتيها فرصة العودة

وقد بدأت هذه المحاولات منذ أكثر من قرن في تقرير علمانية الدولة واقعا وثقافة ، ومن حلقاتها الأخيرة تجريم الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية ،أو الجهاد ، وتزوير الفتاوى حول الربا ، وأو ضاع الأسرة والمرأة ، إلخ .. ، ومن حلقاتها الخطيرة تدمير ذاتية التعليم بالأزهر ، ومن آخرها كشف"سوأة الاختلاط"بين الجنسين بجامعته ، وإذا سألت قيل لك نحن لا"يلخبطنا"أحد !!

ومن آخر هذه الحلقات ، ما يسمى"تجديد الخطاب الديني بالمساجد"

وتفنيدا لهذه الأطروحة نعتز ونكتفي هنا بما يقوله الدكتور رفيق حبيب في حديث له بمجلة آفاق عربية بتاريخ 1\10\2003 لا فض فوه:( إن التجديد عملية ابتكارية، مبنية علي ملاحظات تتحسس التغيرات التي طرأت علي الحياة ، ومن ثم نشرع في التعامل مع هذه المتغيرات بالتغيير الفكري والفقهي والسياسي.

ولكن ما هي شروط التجديد? أولا: إنها عملية تنتمي للأصول، لأن التجديد أصالة. ثانيًا: أنها تنبع من احتياجاتك الواقعية، حتى يتسنى لك أن تعالج مشكلاتك الحقيقية

أما ما يحدث الآن فهو تجديد للخطاب الديني ولكن علي مسطرة العصر، فهناك شروط ومعايير تسمي العصر، والمطلوب أن يكون خطابك الديني والسياسي متوافقًا مع هذا العصر

وبالطبع يجب أن ننتبه إلي أن العصر ليس هو الزمن بمعناه العام، إنما هو الأفكار الغربية.

ولذلك صار التجديد في جوهره هو تحقيق تواؤم مع أفكار أخري غريبة علينا، وهذا ليس تجديدًا، إنما افتراق، لأنه عندما يطلب مني أن أجدد خطابي الديني لكي يتوافق مع الديمقراطية، فهذه موافقة علي الديمقراطية أن تكون القيمة الأعلى

ومعروف أن سبب هذا الأمر هو شعور الأمريكان بأن هناك أمرًا خارج السيطرة، وأن فكرة الجهاد ضد أمريكا لن تزول بالقضاء علي بن لادن ، وتنظيم القاعدة ، فالفكرة قابلة أن توجد مرة أخري ، وبالتالي اتجهوا إلي التحليل الثقافي حيث وجدوا أن قرآننا وإنجيلنا أسباب تؤدي إلي ذلك، لذا وجب أن يزالوا

وهذا أمر وصلوا فيه إلي حد البوح به من شدة الغطرسة والفجور.

وهو الأمر الذي انعكس علي بعض نخبنا المهزومة فصارت تردد:"يجب أن نجدد خطابنا الديني قبل أن نجبر علي تجديده »، بمعني آخر"يجب أن نستعمر قبل أن نجبر علي الاستعمار"وندخل فيه كرهًا.. فهل هذا يعقل )"

هكذا منطق التجديد الديني"الإسلامي"الأمريكاني: يجب أن نضل قبل أن نجبر على الضلال ، يجب أن نذل قبل أن نجبر على الذل ، يجب أن نزول قبل أن نجبر على الزوال !!!

لا فض فوك يا دكتور رفيق

إنهم في زعم التجديد في حلقتهم الأخيرة: يواصلون تدمير الذاتية الإسلامية قبل أن تأتيها فرصة العودة إلى قمة العالم

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم"إن الله زوي لي الأرض فرأيت مشارقها و مغاربها و إن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها"رواة الامام مسلم

نعمم ولكن بالذاتية يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (بدأ الإسلام غريبا ، وسيعود غريبا كما بدأ ، فطوبى للغرباء ) رواه مسلم في صحيحه .

وفي مسند الإمام أحمد بسنده عن عبد الرحمن بن سنة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (بدأ الإسلام غريبا ثم يعود غريبا كما بدأ ، فطوبى للغرباء . قيل يا رسول الله: ومن الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس )

صميم المعركة المحتدمة الآن هو في الدائرة الأولى لصنع ذات الإنسان المسلم ؛ في الفكر والثقافة ؛ في المسجد والجامعة ، في البيت والشارع ، في الأسرة والدولة: صنع الذات ، تلك الدائرة التي توشك أن تنهار.

لقد تهاوت بالفعل دوائر خارجية ، تم صناعتها وتهاويها تاريخيا ، دائرة بعد الأخرى .تهاوت دائرة الدعوة بالجهاد . وتهاوت دائرة الدولة الإسلامية . وتهاوت دائرة التشريع .وبقي قلب البناء: الدائرة الثقافية الذاتية . يقول محمد إقبال:

كل من أهمل ذاتيته . فهو أولى الناس طرا بالفنا

لن يرى في الدهر شخصيته . كل من قلد عيش الغربا

تلك هي الدائرة التي توشك أن تنهار ، ولكنها توشك بعد ذلك أن تعود

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت