أو القصيرة المعروفة بـ ( الخاطرة)
المقدمة:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
إننا نعيش في زمن يتسابق الناس فيه على جودة العرض، وسبل الجذب الآخذة إلى الخير أو الشر. ومن الضروري أن يحتل دعاة الإسلام الذروة في الجودة والحسن لطرق الدعوة إلى الله؛ لأننا نعيش زمن الصراعات، وفي شباب المسلمين صحوة تتطلع في هداية التعليم إلى الأسلوب الأمثل مما دفعني إلى جمع ما تفرق في موضوع البحث من عدة مراجع لتحديد المواصفات الخاصة بالكلمات السريعة المسماة بالخاطرة فأقول:
تختلف المقامات والأحوال، ولذلك قد يقتضي المقام كلمة مطولة أو درسًا وما شابه ذلك، وقد يقتضي المقام كلمةً موجزةً قصيرة، وهذا التنوع لا يشك عارفٌ بالسنة الشريفة في وجوده في أيام المصطفى صلى الله عليه وسلم، فعلى سبيل المثال، لو تتبعت كتابًا مثل: (رياض الصالحين) للإمام النووي رحمه الله وهو نموذج متنوع من السنة النبوية لوجدت بعض الأحاديث طويلة إلى حد ما، وبعضها كليمات تُعدُّ على الأصابع، ولا شك أن المقام والحاجة لها دور في الإطالة والقصر، ومن هنا نستطيع أن نقول أن ما يسمى بـ الكلمة السريعة أو )الخاطرة) الآن كان موجودًا من ناحية معناه وحقيقته وإن كان غير معروف بهذه التسمية. وهذه التسمية (الخاطرة) هي من اصطلاحات المتأخرين، ولذلك نريد أن نتعرف على حدود وتعريفات وضوابط ما يُسمَّى بالخاطرة، ونحن لم نجد - بحسب إطلاعنا- من تكلم عن ضوابط الخاطرة مع انتشارها، وسهولتها وحاجة الناس إليها، فحاولنا أن نجمع ما استنبطناه من مواصفاتها وحدودها عسى أن يسهم ذلك في تمييز الخواطر وضبط شأنها، وعدم الخلط بين أصناف الخطاب المتعددة، فإن الخلط بين أصناف الخطاب المختلفة يؤدي إلى مفاسد، من أقلها الإملال وعدم الاستفادة من الكلام، وضبط الأصناف يؤدي إلى وضع الأمور في نصابها، ومراعاة المقام. فنقول وبالله التوفيق:
أولًا: تعريف الخاطرة لغة:
خطر الأمر بباله وعلى باله وفي باله، يخطُر ويخطِر خُطُورًا: مرَّ أو ذكره بعد نسيان.
ومن الأول ( أي: خطر بباله) قول أبي الطيب المتنبي:
بتنا يناولنا المدامَ بكفِّه مَن ليس يخطُر أن نراه ببالِه
ومن الثاني (أي: خطر على باله) قول ابن الفارض:
أرى البعد لم يُخطر سواكم على بالي وإن قرَّب الأخطار من جسمي البالي.
ومن الثالث (أي: خطر في باله) قول الحريري:
وكم أخطر في بالِ ولا أخطر في بالِ
_أي: وكم أمشي في ثوب بالٍ، ولا أمر في بال أحدٍ_.
وخَطَر الشيء بباله من باب (دَخَل) ، وأخطره الله بباله، وعلى باله جعله يخطر، وخطر بقلبي من الذكر خَطَرة، أي ذكرة، قال الشاعر:
خطرت خطرة على القلب من ذكـ راكِ وهنًا فما استطعت مضيا.
والخاطر اسم فاعل: الهاجس، والجمع: (خواطر) .
وقولهم: يصقل الخاطر وينشط الفاتر، أي: يجلو القلب ببسطه إياه، ويقال: شاعر سريع الخاطر، أي عاجل البداهة في النظم، وجاش الشعر في خاطره، أي في نفسه، من قولهم: جاشت القدر، إذا غلت... إلخ.
ثانيًا: تعريف الخاطرة اصطلاحًا:
قال أبو البقاء في (الكليات) : الخاطر: اسم لما يتحرك في القلب من رأي أو معنى، سمي محله باسم ذلك، يقال فيه: خطر ببالي أمر، وعلى بالي أيضًا، وأصل تركيبه يدل على الاضطراب والحركة، وأطلق الخاطر على القلب والنفس مجازًا من باب إطلاق لفظ الحال على المحل..) أ.هـ بتصرف.
قلت: ونستطيع بعد النظر في المعنى اللغوي لكلمة (خطر) وتعريف (الخاطر) عند أبي البقاء وغبره وكذلك بالنظر في العرف بالنسبة للخاطرة، نستطيع أن نقول:
"الخاطرة:"هي كلمة موجزة قصيرة يلقيها المتكلم خطيبًا أو واعظًا من أجل التنبيه على قضية أو مسألة محددة خطرت بباله، أو أعدها مسبقًا في زمن قصير دون استطراد أو إطالة أو مداخلة"."
قلت: ولا شك أن هذا التعريف ليس بالتعريف المنطقي الذي يسمونه"التعريف الجامع المانع"، ولكنه تعريف تقريبي اجتهدت فيه أرجو أن يجزئ إن شاء الله.
وقال بعضهم: الخواطر عند أكثر المتصوفة أربعة:
1.خاطر من الحق، وهو علم يقذفه الله تعالى من الغيب في قلوب أهل القرب والحضور من غير واسطة.
2.وخاطر من المَلَك: وهو الذي يحث على الطاعة، ويرغب في الخيرات ويحذر من المعاصي والمكاره ويلوم على ارتكاب المخالفات، وعلى التكاسل عن الموافقات.
3.وخاطر من النفس: وهو الذي يتقاضى الحظوظ العاجلة، ويظهر الدعاوى الباطلة.
4.وخاطر من الشيطان: وهو الذي يدعو إلى المعاصي والمناهي والمكاره.
قلت: وهذا التقسيم فيه ما فيه، ويريد به الصوفية التوصل إلى شطحاتهم، وخواطرنا التي نحن فيها - إن شاء الله- هي من الله الحق، أو من لمة المَلَك وشاهدها أنها حث على مسألة شرعية.
ثالثًا: أسباب الحاجة إلى الخاطرة: