فهرس الكتاب

الصفحة 7361 من 27345

الحمد لله و الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم وبعد:

فإن الله تعالى أنزل القرآن بلسان عربي مبين، فالتعابير القرآنية بالغة غاية الكمال في البلاغة؛ لأن الله تعالى أحكم آياته وتحدى به أفصح العرب فعجزوا عن معارضته مع ما آتاهم الله تعالى من الفصاحة، ومع حرصهم الشديد على إبطاله، ومع هذا كله عجزوا عن الإتيان بمثله ، أو بسورة مثله، والقرآن هو معجزة الله الخالدة إلى قيام الساعة، والإعجاز البياني واحد من أوجه إعجاز القرآن الكريم، تحدى الله تعالى به الإنس والجن في قوله تعالى: ) قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا( [الإسراء: 88] .

فالقرآن له نمطه الخاص في التركيب، إذ يجد المتمرس في أساليب العربية وطرائقها في التعبير أن نمط الجملة العربية في القرآن فريد متميز.

ونحن نذكر وجهًا من أوجه الإعجاز البياني ألا وهو الذكر والحذف للكلمات والحروف، فقد يذكر الحرف في كلمة في موطن ما، ويحذف هذا الحرف من نفس الكلمة في موطن آخر، وتذكر الكلمة في موطن ما وتحذف في موطن آخر مع اقتضاء ذكرها ، وذكرها وحذفها ليس عشوائيًا وإنما لحكمة قد نعلمها وقد لا نعلمها، وقد نعلم جزءًا منها.

ولكن ينبغي أن يعلم أن الحذف إذا نُسب في القرآن فإننا لا ننسب الحذف إلى مضمون القرآن بل ننسبه إلى تركيب اللغة، فاللغة تجعل للجملة العربية أنماطًا تركيبية معينة فإذا لم تشتمل على بعض هذه التراكيب عددنا ذلك حذفًا.

وللحذف أغراض كثيرة ذكرها البلاغيون ليس هذا مجال ذكرها ولكننا سنذكر بعض أمثلة إعجاز القرآن البياني في حذف وذكر بعض الكلمات والحروف. والله المستعان..

المبحث الأول:

الذكروالحذف في الحروف

من روائع البيان القرآني المعجز أنه يحذف حرفًا من بعض ألفاظه في موضع ويذكره في موضع آخر، وحذف هذا الحرف ليس حذفًا اعتباطيًا كما أن ذكره ليس مصادفة عشوائية إنما ذكره لحكمه وصرفه لحكمه.

وهناك أغراض يذكرها النحاة في هذا الباب فيقولون: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى إلى غيرها من الأغراض النحوية العربية وفي القرآن نجد من هذا كثيرًا ولكن يحكمه التوازن الدقيق ليس في بعض أبوابه بل في كل أبوابه.

ولننظر إلى بعض الأمثلة في حكمة ذكر أو حذف بعض حروف الكلمات في القرآن الكريم المثال الأول:

"تسطِعْ"و"تستطع".

وردت هاتان الكلمتان في قصة موسى والخضر حيث رافق موسى الخضر وأمره بعدم سؤاله عما يفعله فكان يفعل أمورًا يرى موسى أن الخضر فيها مخالفًا فينكر عليه فقال له بعد إنكاره الفعل الثالث: ) هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا( [ الكهف:78 بإثبات التاء ] .

ثم نبأه بتأويل أفعاله وأخبره أنه لم يفعل ذلك من تلقاء نفسه ) وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ("ثم قال له: ) ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا( [ الكهف: 82 ] بحذف التاء."

وجه الإعجاز البلاغي هنا أن المرة الأولى كان موسى في قلق محيِِِِِِِِِِِِِِِِِِّّّّّّر جرّاء أفعال الخضر فراعى السياق القرآني الثقل النفسي الذي يعيشه موسى عليه السلام فأثبت التاء ليتناسب مع الثقل النفسي لموسى، الثقل في نطق الكلمة بزيادة الحرف.

وحذفه في المرة الثانية بعد زوال الحيرة وخفة الهم عن موسى ليتناسب خفة الهم مع خفة الكلمة بحذف الحرف الذي ليس من أصل الكلمة.

المثال الثاني:

"اسطاعوا"و"استطاعوا":

جاءت هاتان الكلمات في سورة الكهف في الحديث عن السد الذي بناه ذو القرنين على يأجوج ومأجوج وأنه بعد أن بناه عليهم كي يمنع فسادهم أرادوا الخروج فحاولوا تسلق السد فلم يفلحوا ثم حاولوا أن ينقبوه أو يخربوه فلم يستطيعوا كذلك، قال تعالى:) فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ( [الكهف: 97] .

فلماذا حذف التاء في الأولى وأثبته في الثانية ؟ . يظهر والله أعلم أن ذلك ليتناسب مع السياق فتسلق السد شيء لطيف يحتاج إلى لطف وخفة فناسب حذف التاء والنقب والخراب شيء ثقيل يحتاج إلى جهد وقوة ومعدات ثقيلة فناسب ذكر التاء ليكون ثقل الكلمة مناسب لثقل الفعل وخفة الكلمة مناسب لخفة الفعل (1) فسبحان القائل: )ُقل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا( [الإسراء: 88] .

وذكر الدكتور فاضل السامرّائي بعض حالات ذكر و حذف الحرف في القرآن الكريم فقال: نذكر من حالات ذكر وحذف الحرف في القرآن الكريم حالتين: الأولى: عندما يحتمل التعبير ذكر أكثر من حرف، ومع ذلك يحذفه، وقد يحتمل التعبير ذكر أكثر من حرف، والثانية عندما لا يحتمل التعبير ذكر حرف بعينه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت