فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
أ.د/محمد أديب الصالح
رئيس تحرير مجلة حضارة الإسلام
ـ 1 ـ
في الجعبة اليوم كلمات عن واحد من أولئك الربانيين الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح ، وبين العلم وصدق التوجه إلى الله ، والإخلاص في الدعوة إلى سبيله وهو (صالح المري) .
والمري من الأعلام الذين كان لهم في تاريخنا أثر لا تبليه الأيام ، غناء بالتقوى وتطلعًا إلى الآخرة، إثراءً للقلوب بكل معاني الخير والتذوق لحلاوة الإيمان: فقد أخذ رحمه الله عن التابعين وعاش مع القرآن بكل جوارحه ، وعمل على أن يكون سلوكه طوع الكتاب والسنة وتلك هي خلائق الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، واستقاموا على النهج السوي .
وكان طريقه إلى ذلك تزكية النفس وجهادها ، وحملها على الجادة بمقاييس أهل الآخرة لا بأحابيل أهل الدنيا ، حتى بت تراه ـ كما يقول المؤرخون لحياته ـ وهو دائم الخشية ، كثير التذكار، يرمي ببصيرته إلى الباقية التي لا ينفع فيها مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ، لا يني يبكي على نفسه لما يرى أنه تفريط في جنب الله ، فالدنيا دار ممر، والآخرة دار مقر والعاقل كل العاقل ـ في نظره ـ من كان دائمًا على ذكر من حقيقة هذه المرحلة التي ينقضي فيها عمر الإنسان ، فلا يغره بالله الغرور، ولا يأخذه البهرج ، ولا تثنيه عن الحقيقة الزخارف. وإلا فأين هو من قول الله تباركت أسماؤه:
[اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ، كمثل غيث أعجب الكفار نباته ، ثم يهيج فتراه مصفرًا ، ثم يكون حطامًا وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور] الحديد (20) .
وإذا توافر لصالح رحمه الله تلك النظرة الأخروية الخالصة ، والاستعلاء على الركام والحطام مما يلهث وراءه أهل الدنيا وينسون في غمرته ربهم ودينهم ... كانت قدرته على التأثير وتحريك قلوبهم بالموعظة ، والقول البليغ أمرًا عجبًا ، فلقد كان يعظ من حوله بالكلمة تخرج من أعماق قلبه المزدان بالضياء والدموع الخاشعة ترسلها عيناه فتهش له القلوب ، وتفيض العيون ويصحو الغافل ، الأمر الذي يشعرك أنه على إرث من إرث النبوة فيما يقول وفيما يعمل ، وفيما يخاطب الآخرين عملًا بقوله عليه الصلاة والسلام فيما روى أنس بن مالك عنه:
"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه (2) ".
ويا نعم ما شهد له بذلك سفيان الثوري عليه الرحمة والرضوان ، قال عبد الرحمن بن مهدي: جلست مع سفيان الثوري في مسجد صالح المري ، فتكلم صالح ، فرأيت سفيان الثوري يبكي ويقول: ليس هذا بقاص ، هذا نذير قوم.
وإنها للكلمة من سفيان ، الكلمة الأمينة الواعية ، التي يعلم رحمه الله أنه مسؤول عنها بين يدي الله رب العالمين ، لما أنه في موضع القدوة للناس . ويقول عفان بن مسلم:
"كنا نأتي مجلس صالح المري نحضره وهو يقص ، فكان إذا أخذ في الحديث بدا كأنه رجل مذعور يهولك أمره من حزنه وكثرة بكائه ، كأنه ثكلى ، وكان شديد الخوف من الله شديد البكاء .ولقد نعلم أن تأثير السلوك والعمل أبلغ من تأثير القول في كثير من الأحيان،فكيف بمن جمع الله له الفضيلتين"!!
وكم كانت لأبي بشر وقفات التذكير القرآني بالوعيد ، وكم كان ينصدع قلبه للآية تحمل المؤمن إلى ساحة التفكر والتدبر فيما تكون عليه العاقبة ، وفيما يؤول إليه الأمر بين يدي رب العالمين ؛ والقرآن بحر لا يدرك ساحله ، ونور من نور الله يهدي للتي هي أقوم ، وشفاء للقلوب والنفوس .
قال خلف بن الوليد: كان صالح المري إذا تحدث قال: هات جونة المسك والترياق المجرب ـ يعني القرآن ـ فلا يقرأ ويدعو ويبكي حتى ينصرف ولم لا ، والله تعالى يقول:
الهوامش:
{إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا كبيرًا} الإسراء: 9.
ـ 2 ـ
من معين القرآن الذي لا ينضب يتحدث أبو بشر عن القيامة وأهوالها وما يؤول إليه أمر الظالمين والمعرضين ، ويأخذ بنفسه وبسامعيه إلى ذلك الجو البعيد عن الأوضار والشوائب ، ويرقى بهم عن ذلك المستوى الهابط الذي يحكم إغلاقه حب الدنيا وكراهية الموت . ولا تسل عن طيب الأثر حين يجد القلب حلاوة الإيمان ، فتفعل الموعظة فيه ، ما يفعل الغيث العميم يهمي على الأرض العطشى فتجود بالخير والنماء .
فمما يروى من أخباره أنه قال ـ وهو يعظ الناس ـ لشاب في مجلسه: اقرأ يا بني ، فقرأ الرجل