[وأنذرهم يوم الآزفة ، إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع] فقطع عليه صالح القراءة فقال:"وكيف يكون للظالمين حميم أو شفيع ؟ والطالب لهم رب العالمين وبعد أن عرض صورتهم وما يلاقون من أهوال في ذلك المشهد من مشاهد يوم القيامة ذلك اليوم الذي تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ، بعد أن عرض صورتهم قال: إنك والله لو رأيتهم على ذلك لرأيت منظرًا لا يقوم له بصرك ، ولا يثبت له قلبك ، ولا يستقر لعظمة هوله على قرار قدمك ... ثم نحب وصاح: يا سوء منظراه ، ويا سوء منقلباه ، وبكى وبكى الناس ، وقام شاب به تأنيث فقال: أكل هذا في يوم القيامة يا أبا بشر؟ قال نعم ، والله يا ابن أخي وما هو أكبر من ذلك لقد بلغني أنهم يصرخون في النار حتى تنقطع أصواتهم ، فلا يبقى منها إلا كهيئة الأنين من المدنف . وأخذت الموعظة طريقها إلى قلب الشاب وحركت تلك البقية الباقية فيه من الخير فنادى بأعلى صوته مناجيًا خاشعًا: واغفلتاه عن نفسي أيام الحياة ، ويا أسفاه على تفريطي في طاعتك يا سيداه ، واأسفاه على تضييع عمري في دار الدنيا ، ثم بكى واستقبل القبلة ثم قال: اللهم إني أستقبلك في يومي هذا بتوبة لك لا يخالطها رياء لغيرك ، اللهم فاقبلني على ما كان مني ، واعف عما تقدم من عمل ، وأقلني عثرتي وارحمني ومن حضرني ، وتفضل علينا بجودك أجمعين يا أرحم الراحمين ، لك ألقيت معاقد الآثام من عنقي ، وإليك أنبت بجميع جوارحي صادقًا بذلك قبلي ، فالويل لي إن لم تقبلني ."
ومن طرائف ما يروى عن أبي بشر رحمه الله أنه رأى فيما يرى النائم أن صحيفة دفعت إليه وفيها: ما تخوفت عواقبه فوطن نفسك على أن تجتنبه . وكان ذلك ديدنه رضي الله عنه فهو على بينة من أمره ، سيرة العاقل أن يوطن نفسه على اجتناب ما يتخوف عواقبه ، وإلا وقع في حبائل النفس والشيطان ، وأحاطت به خطيئته وكان من الخاسرين .
من أجل هذا كان يأخذ هذه النفس بالصبر على الطاعة والصبر عن المعصية ، ويكثر أن يدعو الله تعالى أن يمن عليه بالخوف الذي يحجزه عن طريق أهل السخط ، ويقويه على الطاعة والإنابة . قال أبو الحسن الباهلي: سمعت ابن عائشة يقول: كان صالح المري يقول في دعائه: اللهم إني أسألك خوفًا حاجزًا عن معصيتك مقويًا على طاعتك ، وأسألك صبرًا على طاعتك ، وصبرًا عن معصيتك . وقال سعيد بن عامر: كان صالح المري يدعو: اللهم ارزقنا صبرًا على طاعتك ، وارزقنا صبرًا عند عزائم الأمور.
ولما كان صادقًا مع نفسه في هذا المنهج ، فقد كان صادقًا مع الآخرين لا يدع أن يجد الفرصة المناسبة ليقول ما يجب أن يقوله حرصًا على أداء واجب النصح للمسلمين . قال زكريا بن يحيى حدثنا الأصمعي قال: شهدت صالحًا المري عزى رجلًا بأبيه فقال له: لئن كانت مصيبتك لم تحدث لك موعظة في نفسك ، فمصيبتك بأبيك جلل بجانب مصيبتك في نفسك ، فإياها فابك .
مرة أخرى: رحم الله أبا بشر، وأجزل مثوبته في الآخرين ، وجزاه عن المسلمين كل خير... فلقد كان واحدًا من عباد الرحمن الذين عملوا بما علموا ، وأخذوا أنفسهم بحزم الطاعة وعزيمة الرشد ، ففازوا بمنزلة القرب من الله ورضي الله عنهم ورضوا عنه ، وكان لهم في نفوس الآخرين آثار مذكورة مشكورة ما اكثر ما أعادت شاردًا إلى الحظيرة ، وهدت ضالًا إلى الطريق المستقيم ، ولكم تذكرنا سيرة هؤلاء الرجال بقوله تعالى:
[تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادا] ،
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
ـ 3 ـ
حدث ابن قدامة المقدسي عن رجاء بن ميسور المجاشعي قال:
كنا في مجلس صالح المري وهو يتكلم . فقال لفتى بين يديه: اقرأ يا فتى ! فقرأ الفتى:
[وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع]
فقطع عليه صالح القراءة وقال:
"كيف يكون لظالم حميم أو شفيع ، والمطالب له رب العالمين ؟ إنك والله لو رأيت الظالمين وأهل المعاصي يساقون في السلاسل والأنكال إلى الجحيم حفاة عراة مسودة وجوههم مزرقة عيونهم ذائبة أجسادهم ، ينادون:"
يا ويلنا ! يا ثبورنا ! ماذا نزل بنا ؟ أين يذهب بنا ؟ ماذا يراد منا ؟
والملائكة تسوقهم بمقامع النيران ، فمرة يجرون على وجوههم ويسحبون عليها منكبين ، ومرة يقادون إليها مقرنين من بين باك دمًا بعد انقطاع الدموع ، ومن بين صارخ طائر القلب مبهوت.. إنك والله لو رأيتهم على ذلك لرأيت منظرًا لا يقوم له بصرك ، ولا يثبت له قلبك ، ولا تستقر لفظاعة هوله على قرار قدمك !
ثم نحب وصاح:
يا سوء منظراه ! يا سوء منقلباه !
وبكى ، وبكى الناس . فقام فتى من الأزدكان به تأنيث ، فقال: أكل هذا في القيامة ، يا أبا بشر؟