بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي
من أهم مظاهر واقع المسلمين اليوم هو تفرقهم أحزابًا متنابذة ، ودولًا متفرقة متصارعة ، عزلت الحدود الجغرافية القلوب بعضها عن بعض ، وثارت العصبيات القومية والإقليمية لتكرِّس ما وضعه الأعداء لنا من حدود وفرقة وعداء . وربما جعلنا من هذه المآسي أفراحًا تُقام لها الزينة وتعلن لها الأعياد .
وفي الوقت نفسه نجد الأعداء يتجهون إلى اللقيا وتوحيد صفوفهم ، والاتفاق على اقتسام الغنائم ، ونسيان الأحقاد بينهم ولو مؤقتًا ، في قطاع واسع . ذلك ما نشاهده في أوربا التي تسعى جادة إلى الوحدة الاقتصادية والسياسية . وقد بدأت فعلًا الوحدة الاقتصادية الأوربية في بداية عام 1993م .
وفي الوقت نفسه تمزَّق الاتحاد السوفياتي ، وتمزّقت أوروبا الشرقية ، وأعلن عدد كبير من القوميات استقلالها ، وزال الكيان المنظم للحزب الشيوعي ومؤسساته التي حكمت قرابة سبعين عامًا . انهار هذا كله في لحظات مفاجئة للناس ، لحظات سريعة خاطفة . ولكنها في حقيقة الأمر كانت نتيجة حتمية لسنن الله الماضية في الحياة ، سنن الله التي تعمل سواء وعاها الناس أم لم يعوها . إنه قدر الله وقضاؤه وحكمته الغالبة .
لقد أقام الغرب سابقًا حلف"الناتو"، وأقامت موسكو حلف"وارسو"ودار بين الغرب والشرق صراع طويل وسباق رهيب في التسلح ، وإصرار كل فريق على محاولة تدمير الفريق الآخر . ومع هذا العداء والصراع كان يتمّ تلاق بين حين وآخر ، وتعاون في هذا المجال أو ذاك ، وتنسيق في بعض النواحي السياسية ، دون أن يمنع هذا كله حقيقة الصراع بين العملاقين الكبيرين كما اعتاد الإعلام أن يسمِّيهما .
لقد عانى الاتحاد السوفياتي من ضائقة اقتصادية خانقة امتدت زمنًا طويلًا . وكانت الولايات المتحدة نفسها تسعفه بالحبوب والقمح وبمساعدات أخرى . ولكن هذه الأزمة أخذت تزداد عنفًا مع الأيام حتى أصبحت تهدد حقيقة كيان الاتحاد السوفياتي . وسنرى كيف يصور لنا غورباتشوف هول هذه المأساة في كتابه:"البيريسترويكا والتفكير الجديد لبلادنا وللعالم أجمع". في صفحات مقبلة .
لقد انتقل غورباتشوف من رئيس المخابرات إلى أن أصبح الرجل الأول في الاتحاد السوفياتي . وكان من الأسباب الظاهرة لتقدمه أنه تصدى لإنقاذ الاتحاد السوفيتي بنهجه الجديد الذي أعلنه في كتابه المذكور ، والذي نال تأييد اللجنة المركزية للحزب الشيوعي.
لا شك أن الضائقة الاقتصادية التي خنقت الاتحاد السوفيتي كانت من أهم أسباب تفككه ، خاصة بعد أن استمرت سنين طويلة كانت الأزمة تتزايد معها بدلًا من أن تخف . ولا شك أن طبيعة النظام الاشتراكي القائم عندهم كان من أول أسباب هذه الأزمة القاتلة . ولقد سبق أن فشل هذا النظام في أقطار أخرى ،وفى العالم العربي خاصة.
إذا كانت طبيعة النظام الاشتراكي قد ساهمت في هذه الضائقة الاقتصادية ، فإِن هذه الطبيعة لم تكن العامل الوحيد الذي سببها فقد هيأ الله أسبابًا أخرى . ولعل شارل ديجول الرئيس الفرنسي السابق انتبه إلى عامل هام عبر عنه بقوله:"إن الولايات المتحدة الأمريكية تريد أن تصل بالاتحاد السوفياتي إلى الخراب والإفلاس عن طريق سباق في التسلح لا نهاية له". ولا شك أن هذا السباق في التسلح ساهم في تحطيم الاقتصاد السوفياتي . ولكن تأثير هذا السباق لا ينحصر في الاتحاد السوفياتي وحده ، بل يمتدّ إلى الولايات المتحدة نفسها . وقد عبرّ ديجول عن هذا التأثير أيضًا بقوله"… وقد تنجح ( الولايات المتحدة الأمريكية ) في تحقيق ما تريده ، لكنها سوف ترهق نفسها بأكثر مما تستطيع تحمُّله . وقد تصل بنفسها هي الأخرى إلى حالة الإفلاس وتصل بنا جميعًا إلى حالة خطرة لأنها قد تحاول إنقاذ نفسها من ذلك المصير بابتزاز الآخرين والسطو على مواردهم ."
إن سباق التسلح أثَّر على اقتصاد البلدين وأرهقهما . وأثَّر على مناطق كثيرة أخرى في العالم . وهذا يفسر لنا حرص العملاقين الكبيرين على متابعة المفاوضات من أجل تخفيض جهود التسلح ومخزون الأسلحة المدمرة . وبالرغم من انهيار الاتحاد السوفياتي إلا أن هذه المفاوضات ما زالت مستمرة . وكلٌّ من الدولتين تعاني من تناقض واضح في حقيقة موقفها من هذه القضية . فهي تريد المضيّ في السباق حتى تتفوّق وتفرض إرادتها من ناحية ، ومن ناحية أخرى تريد وقف السباق لحماية اقتصادها .