المسلمون ومسلسل التنازلات إلى أين ؟ وإلى متى ?
بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي
لو رجعنا إلى تاريخ قضيّة فلسطين منذ ابتداء زحف الإِنجليز إليها واحتلالها وقيام الانتداب البريطاني ، لو رجعنا إلى تلك اللحظات التي تعهّدت بريطانيا فيها بتحقيق وعد بلفور الذي صدر سنة 1917م وإلى ما قبلها بقليل ، لأدركنا أنه كان هناك خُطَّة التقت عليها قوى المجرمين في الأرض ، وما زالوا يلتقون عليها ، لتمزيق العالم الإسلامي ولتجعل من فلسطين قاعدة رئيسة للانطلاق في جميع الاتجاهات ، لمتابعة عمليات الإجرام في أرض الإسلام . ويمكن أن نعود بهذا التصوّر إلى قرون سابقة ، لنرى تتابع الخطوات على صورة منتظمة مدروسة . وليس هنا مكان تعداد ذلك ووتتبّعه ، ولكن نشير بشكل موجز سريع إلى أهمّ معالم ذلك منذ بعثة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وتصدّي قريش له:
موقف قريش من الرسول صلى الله عليه وسلم ، غدر اليهود ونقضهم للعهود في المدينة المنورة ، معركة الأحزاب التي أحاطت بالمدينة المنورة وجمعت قوى اليهود والكفر والنفاق ، تجمّع أعداء الإسلام خارج الجزيرة العربيّة من فارس وكذلك روما ثمَّ معركة مؤتة وسائر المعارك مع الرومان والفرس ، تجمّع الحروب الصليبية تحت ادّعاء الدّين واستغلاله لتوجيه الناس إلى قتال يُؤَمِّنون به مصالح المجرمين في الأرض ، نكبة الأندلس ، الغارة الأوربية الشاملة على العالم الإسلامي ابتداءً من أوائل القرن السادس عشر ومعركة"مالاقا"تقودها البرتغال ، لتعلن هدفها الإجرامي باحتلال الهند وغيرها ، وانهيار القاهرة وغيرها من عواصم العالم الإسلامي ثم انهيار مكة . وتمتد هذه الغارة فتحتل فرنسا في القرن التاسع عشر: الجزائر وتونس والسنغال والنيجر ، وتحتل إنكلترا الهند المسلمة والملايو وعدن والسودان ومصر ، ويمدون انتدابهم إلى البحرين ومسقط والكويت . وتحتل روسيا بلاد القوقاز وطشقند وسمرقند وبخارى وأوزبكستان وخوكند ، وتحتل إيطاليا ليبيا وأرتيريا ، وهولندا تحتلّ إندونيسيا وجنوب جزيرة بورنيو ، وتحتلّ البرتغال مضيق هرمز وعدن والبحرين ثم يطردهم الإنجليز من هذه المواقع ويحتلونها هم . وتحتل بلجيكا بعض دول إِفريقيا ، وغيرها يحتل أقطارًا أخرى ، في نَهَم جشع وطمع لثروات العالم الإسلامي .
بامتداد هذه الغارة ، والعالم الإسلامي في سبات عميق ، أحاطت الدول الأوربية بالعالم الإسلامي إحاطة الحبل حول العنق . فسهل تقسيم العالم الإسلامي ، ثمَّ إِسقاط الخلافة الإسلامية ، ثمّ التسلّل الإعلامي والفكري والاقتصادي والسياسي إلى مختلف ديار المسلمين تسلّلًا ناعمًا ، يلقي بعض الضجيج ضدّه بين الحين والآخر ، ثمّ سرعان ما يهدأ ويستمرّ التسلّل !
ولقد استمرّ هذا الحال زمنًا غير قصير ، كان موقف المسلمين منه موقفًا حمل بعض الثورات والانتفاضات والمقاومات ، ولكنه بصورته العامة ومحصّلته النهائيّة كان يمثّل مسلسلًا أسميه"مسلسل التنازل"، تنازل فيه بعضُ المسلمين عن حقوق الإسلام والمسلمين شيئًا فشيئًا .
لقد كان من أهم مظاهر هذا التسلّل الفكريّ الشامل وكذلك آثار مسلسل التنازل ، أن أخذ التسلَّل يلقى عدم الاعتراض وضعف المقاومة ، ثمّ يلقى القبول والرضا ، ثم يلقى الدّعم والتأييد ، ثم يلقى التبنّي ، ثم الدعوة إِليه من أشخاص انحرفوا إِليه في فتنة أخذت تمتدّ وتتسع رقعتها ، بدلًا من أن تضيق وتنحسر ، حتى أصبح للفكر الغربي والعلمانيّة ومذاهبها جنود من أبنائنا .
وخلال هذا المرحلة الطويلة لم يلتفت العالم الإسلاميّ إلى ضرورة البناء والإعداد في جميع ميادين الحياة . وكان تأثير الفكر الغربيّ العلمانيّ الذي أخذ يمتدّ ، كما ذكرنا ، تأثير المخدِّر لكثير من النفوس . فلم تسرع الأُمَّة لأخذ العلوم التطبيقية والصناعات عن العالم الغربيّ ، وإنما شُغِل الكثيرون بقضايا فلسفية: فكريّة وأدبيّة وما يسمونه بالفن من موسيقى وغناء ورقص وتمثيل ، انصرف الكثيرون إلى زيادة الاضطراب وإشعال الفتنة بالغموض الذي يلقونه والتيه الذي يمدّونه . وساعد على ذلك هجر الملايين من المسلمين لحقيقة دينهم وقرآنهم وسنة نبيِّهم ، مع امتداد الجهل باللغة العربيّة ، وغياب الملايين في جهل مظلم ، وعادات وأعراف يحسبونها من الدَّين والدَّين منها براء ، وغلبت العصبيات الجاهليّة بمختلف أنواعها .
تمزّقت الأُمَّة المسلمة ديارًا وأقطارًا ، وأُقيمت الحدود بينها ، وتحوّل الفكر والأدب والجهد ليُشغَل كلُّ قطر بنفسه ، وليثور الصراع بين هذا القطر وذاك ، ثمّ يُقسَّم كلُّ قطر إلى أحزاب متصارعة أكلت الجهود والأوقات ، تحت شعارات الغرب العلماني: حرّية الرأي دون ضوابط إلا القليل ، الديمقراطيّة ، التعدّدية ، النموّ والتطور والمعاصرة . وكأنما النمو محصور فقط في التخلي عن الدين والأخذ بالعلمانيّة فكرًاَ وسلوكًا ، دون الأخذ بأسباب القوة من صناعة وسلاح وعلوم تطبيقية .