فهرس الكتاب

الصفحة 4917 من 27345

الباقية لا الفانية * ومصعب بن عمير

الدكتور محمد أديب الصالح

ـ 1 ـ

كان من حوافز الجهاد وحب الاستشهاد في سبيل الله عند البررة الأخيار من أبناء أمتنا ـ بجانب رسوخ الإيمان واليقين بما وعد الله ورسوله ـ زهادتهم في الدنيا ، ووضع متاعها ـ إن وجد ـ موضعه الطبيعي في حياة المؤمن ، وسيلة لا غاية ، وفي الأكف لا في القلوب .. وعلى محور السلوك أخذت هذه القضية أبعادها وانعكاساتها .ولقد كانوا في ذلك ـ رضي الله عنهم وأرضاهم ـ على قدم إمام الأنبياء وسيد المجاهدين والربانيين محمد عليه الصلاة والسلام ، فلقد بين بقوله وفعله وكريم تقريره وإرشاده هوان الدنيا على الله ، وإنها للمؤمن وسيلة إلى الآخرة ، وما هي ـ على الحقيقة ـ إلا متاع الغرور .

فالدنيا فانية والآخرة خير وابقى ، وأين الفانية من الباقية !! روى مسلم عن المستورد بن شداد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إنما الدنيا في الآخرة مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم ، لينظر بم يرجع"؟ (2)

وروى مسلم أيضًا عن جابر رضي الله عنه"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالسوق والناس كنفتيه ـ أي عن جانبيه ـ فمر بجدي أسك ـ صغير الأذن ـ ميت ، فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم ؟ فقالوا: ما نحب إنه لنا بشيء وما نصنع به ؟ قال: أتحبون أنه لكم ؟ قالوا: والله لو كان حيًا ، كان عيبًا أنه أسك ، فكيف وهو ميت !! فقال أهون على الله من هذا عليكم" (3) .

ومما لا ريب فيه أن هذا وأمثاله من رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرق في ظل آيات كثيرة في هذا الباب منها قوله تعالى في سورة الحديد [اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة ، وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ، كمثل غيث أعجب الكفار نباته ، ثم يهيج فتراه مصفرًا ثم يكون حطامًا وفي الآخرة عذابُ شديد ومغفرة من الله ورضوان ، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور] (4)

من أجل هذا شهدت الإنسانية في واحد من أبهى معالم الحق في الدنيا منها ما روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير، فقام وقد أثر في جنبه ، قلنا: يا رسول الله لو اتخذت لك وطاء ، فقال: مالي وللدنيا !! ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها"رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح (5) ."

وعلى هدي هذا المنهج النبوي في السلوك ، شهد تاريخ هذه الأمة أمة تبني حضارة الإسلام ـ فيما شهد ـ شابًا يانعًا ، ربي على الرفاهية في الطعام ، واللين الملبس ، ونشيء على ما يزهو به الشباب الناعم في العيش ويصبوا إليه ، وهو مصعب بن عمير رضي الله عنه ، شهد تاريخ الرفاهية ولكن الشاب يترك كل هذا بعد أن خالط الإيمان بشاشة قلبه ، ويتجاوزه إلى الانصراف إلى الدعوة ، والجهاد في سبيل الله ، والرضى بما يتبلغ به من المأكل والملبس ، لأنه بات في شغل شاغل بما هو أعلى وأغلى من تلك الملذات ونعومة العيش .

ولقي مصعب ـ جزاه الله من أمة الإسلام والبشرية كل خير ـ مصرعه شهيدًا يوم أحد فكان إخوانه لا يجدون ما يكفي لتغطية جسده كله .. حيث لم يجدوا ما يكفي لتغطية هذا الجسد الذي ما عرف قبل الإسلام إلا نعومة الحياة في المطعم والملبس في ظل تلك القيم الفانية . وأين حماة الجاهلية من جنات السموات والأرض ، خاتمة للبذل الصادق والعطاء في سبيل الله .

روى البخاري ومسلم (6) عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال:"هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نلتمس وجه الله تعالى ، فوقع أجرنا على الله ، فمنا من مات لم يأكل من أجره ـ يعني في الدنيا ـ شيئًا ، منهم مصعب بن عمير رضي الله عنه ، قتل يوم أحد ، وترك نمرة ، فكنا إذا غطينا بها رأسه بدت رجلاه ، وإذا غطينا رجليه بدا رأسه ، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نغطي رأسه ، ونجعل على رجليه شيئًا من الأذخر، ومنا من أينعت له نمرته فهو يهذبها"

والنمرة كساء ملون من الصوف ـ يهذبها: يقطفها .

هكذا استطاع هؤلاء الرجال حين تخففوا من حب الدنيا وكراهية الموت ، وصدقوا في طلب الآخرة ، أن يتقدموا في ميادين الشهادة ، باسمة شفاههم مرفوعة رؤوسهم خفاقة بالشوق إلى لقاء الله قلوبهم ، يجدون عند أرض المعركة ريح الجنة التي وعد المتقون ، ويتنسمون عبير الحياة التي كتبت للشهداء وهم أحياء عند ربهم يرزقون .

ومصعب بن عمير ـ رضي الله عنه وأكرم نزله ـ أنموذج لأولئك الذين صدقوا الله فصدقهم ، وتخففوا من الدنيا والانغماس بمتاعها ولذاتها ، فكانوا أقدر على المسارعة إلى جنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وفازوا بمرضاة الله التي هي السعادة !!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت