لقد اختصروا المسافة بينهم وبين الشهادة بهذا السلوك الذي كانوا فيه على إرث من منهج المصطفى عليه الصلاة والسلام . ومن لم يرزق الشهادة منهم عاش سعيدًا ، بنفس مطمئنة ، وحظي عند الله بما لا يكاد يوصف من الخير [يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية ، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي] .
وأخيرًا: وهذا ما أذكر به نفسي قبل الأخوة القراء راجيًا من الله عونه
ـ 2 ـ
حاجة الأمة إلى التبصر في سيرة من صنعوا تاريخها ، حاجة لا يذهب اختلاف الأحوال صعودًا إلى القمة أو هبوطًا إلى القاع ، خصوصًا أولئك الذين شاء الله لهم أن يشهدوا تنزل الوحي وأن يرتادوا الطريق . وإذا ذكر هؤلاء ذكر مصعب بن عمير رضي الله عنه ... صحيح أن الحقبة الزمنية التي أمضاها الرجل المجاهد الداعية في العمل تحت راية الدعوة كانت قصيرة بعض القصر لما أنه قد استشهد ـ أكرم الله مثواه ورحمه ـ في"أحد"، ولكنها كانت عظيمة متسعة الأرجاء عطاء وعمق دلالة في صناعة تاريخ الإسلام ، والتفاني للدعوة أن تأخذ مكانها الطبيعي في قيادة المجتمع الأمثل وإعداد الفرد الإعداد القادر على مواجهة الحياة بالعقيدة الصافية والسلوك المستقيم .
هذا: وقد سعدنا بالحديث عن هذا الصحابي الجليل في واحد من الأعداد الماضية ، ولكن مآثره رضي الله عنه أغزر من أن تتسع لها صفحة من الصفحات .
لقد كان أبو عبد الله فتى مكة شبابًا وجمالًا وسنًا ، وكان أبواه يحبانه غاية الحب ، وكانت أمه تكسوه أحسن ما يكون الثياب ، وكان أعطر أهل مكة وروى بعض أصحاب السير أن رسول الله كان يذكره فيقول:"ما رأيت لمه ولا أرق حلة ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير"فلما أسلم أصابه من الشدة وحمل هموم الدعوة في مواجهة المشركين ، ما غير لونه ، وأذهب لحمه ، وأنهك جسمه ، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ كما ذكر السهيلي ـ ينظر إليه وعليه فروة قد رفعها فيبكي لما كان يعرف من نعمته .
هذا: وكان رضي الله عنه ممن هاجر إلى الحبشة ثم عاد ، وبعد أن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار بيعة العقبة الأولى ، وحان انصراف القوم إلى المدينة أرسل معهم مصعب بن عمير يعلم من أسلم منهم القرآن والشرائع وسمي لهذا رضي الله عنه بـ"المقرئ".
وانظر أي مقرئ هذا الرجل الذي تولى شؤون تعليم القرآن والشرائع ، وهي مهمة لا نقدرها حق قدرها إلا إذا كنا على تصور تام لطبيعة المجتمع هناك وسلطان يهود وما كان من رواسب الجاهلية ، ولكن مصعبًا كان قويًا بقوة الله وقام بالمهمة خير قيام وهو أهل لما قام به كيف لا وقد اختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقوم بهذا الفتح العظيم . وقد جمع بالمسلمين ـ كما في بعض الروايات ـ أول جمعة في المدينة وكانوا أربعين رجلًا .
غير أن أبا عبد الله لم يقف عند حد تعليم القرآن والشرائع بل أدرك واجبًا عليه أن يفتح القلوب بكلمة التوحيد ، وأن يفسح للقرآن والشرائع في تلك القلوب والعقول ، فاستنفد الطاقة في الدعوة إلى الله مستعليًا على حطام الدنيا غير آبه بما قد يفوته من زخرفها بعد أن أكرمه الله فذاق حلاوة الإيمان ، ووقف على المحجة ، وشرع يرتاد للأمة الطريق داعيًا إلى الله والدعوة إلى الله إرث من إرث النبوة [قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين] [ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين] . وبأسلوبه الحكيم وصدقه مع الله ، واستعلائه على حطام الدنيا ، أسلم على يده خلق كثير من الأنصار، فأسلم في جملتهم سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير، وأسلم بإسلامهما جميع بني عبد الأشهل في يوم واحد الرجال والنساء ،يقول ابن حزم رحمه الله: ما نعلمه تأخر عن الإسلام أحد منهم ، حاشا الاصيرم ، وهو عمرو بن ثابت بن قيس ، فإنه تأخر إسلامه إلى"أحد"فأسلم ، فاستشهد ، ولم يكن من بني عبد الأشهل منافق ولا منافقة ، كانوا كلهم مخلصين رضوان الله عليهم . وكم لمصعب من الأجر والمثوبة عند الله ثمرة الدلالة على الخير والدعوة إلى الله .
وهكذا لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها مسلمون رجالًا ونساء ، حاشا بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف وتلك أوس الله وهم من الأوس بن حارثة .. على تفصيل العلماء في شأنهم .