فهرس الكتاب

الصفحة 26147 من 27345

و اجتمع نوران !! د. الحبر يوسف نور الدائم*

كنا قد تكلمنا في السابق عن الأثر الضخم الذي أحدثه القرآن الكريم في نفوس المشركين حيث أخذ منهم كل مأخذ ونال منهم كل منال , وإن لم يؤمن له بعضهم لما استولى على قلوبهم من غفلة و انغلاق, ولما استحوذ عليهم من كبر وشقاق.

ونود أن نتحدث هنا عن الأثر البعيد الذي أحدثه القرآن فيمن آمن به, واتبع هداه, واستنار بنوره.

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول المتأثرين بهذا النور الذي أنزل إليه , تلقى الآيات الأولى في دهش فزع من رؤية الملك, وملىء منه رعباً , ولا غرو فقد كانت تجربة روحية فذة فريدة لم ير لها مثيلاً من قبل...رجل أمي نشأ في أمة أمية ما يدري ما الكتاب ولا الإيمان ( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون . بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ) رجل أمي في أمة أمية يأتيه الملك في صورته ليقول له إقرأ فكان الرد الطبيعي ما أنا بقارىء , فكان الغط وكان الإرسال ليهيىء تلك التهيئة الربانية لتلقي ذلك الكلام الرباني الكريم: ( اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق . إقرأ وربك الأكرم . الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم) , ألا ما أكرمه من كلام, وما أصدقه من قيل, وما أعظمها من نعمة, وما أجله من تكريم .

لقد قذف في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم النور, وانقدحت في فؤاده الهداية بملامسته لذلك الكلام القدسي المنير الذي جاء به ترجف بوادره يقول زملوني , زملوني , دثروني , دثروني, وصبّوا عليّ ماءاً بارداً . أما إنها لتجربة وأي تجربة , تجربة خاضها من صنعته يد العناية و الرعاية و التعهد ( والله أعلم حيث يجعل رسالته) تجربة ينخلع لها الفؤاد, وترتجف منها البوادر, وترتعد منها الفرائص. ولولا أن ثمرة هذا اللقاء الروحي المرعب ثمرة من الطيب و الكرم يقصر عنها الوصف, وتضل فيه الأفهام و الأوهام لما تاق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تكرارها ثانية وإعادتها أخرى , ونحن نعلم كيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم ضاقت عليه الارض بما رحبت, وضاقت عليه نفسه حين انقطع عنه الوحي فترة فما انزاح عنه ما يجد, وما زال عنه ما ألم حتى تنزلت عليه آيات ربه تبشره وتطمئنه, وتسرّي عنه وتعزيه, وتعده الوعد الحسن المحقق (والضحى . والليل إذا سجى . ما ودّعك ربك وما قلى . وللآخرة خير لك من الأولى . ولسوف يعطيك ربك فترضى ) .

ألا ما أحيلى ذلك الكلام وما أعظم ذلكم القسم, وأكرم به من وعد جزيل لا يتخلف (ولسوف يعطيك ربك فترضى ) وانظر إلى قوله سبحانه (ما ودعك ربك وما قلى) لم يقل سبحانه وما قلاك ليس مراعاة للفاصلة التي هي على الألف اللينة فحسب ولكن ليشعرك أن القلى من رب العزة لرسول الإنسانية أمر غير وارد ولا متوقع , فالصلة بين الرب ورسوله صلة ود لا ينقطع وحب لا يزول ...وقلى فعل ماض بمعني كره وأبغض قال تعالى (إني لعملكم من القالين) أي الكارهين. تقول قليت فلانا إذا كرهته ومنه قول الشنفرى الأزدي في صدر قصيدته اللامية التي تعرف بلامية العرب:

وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ** وفيها لمن خاف القلى متعزل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت