... بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي
( إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولًا ) [ الأحزاب: 72 ]
مهما اختلف في تعريف هذه الأمانة التي حملها الإنسان ، فإنها ستظل دائمًا في إطار ممارسة منهاج الله في الواقع البشري في الحياة الدنيا . إنها الممارسة الإيمانية في ميادين الحياة كلها .
ولقد كان من تكريم الله سبحانه وتعالى أن حمّل الإنسان هذه الأمانة . ويظل الإنسان في دائرة التكريم وهو يجاهد صادقًا ليوفي بهذه الأمانة العظيمة . فإذا تخلّى عن هذه الأمانة وأعرض عنها فإنه يصبح ظلومًا جهولًا .
ولقد جاءت الآيات الكريمة وَ الأحاديث الشريفة تُلحُّ بهذه القضية إلحاحًا كثيرًا ، لتبرز لنا خطورتها في حياة البشرية كلها . وربطت بعض الآيات والأحاديث هذه الأمانة بالعهد الذي يُبرمه المؤمن في حياته الدنيا . سواء أكان العهد كلمة يلفظها ، أم عقدًا يبرمه . ونأخذ هنا قبسات من منهاج الله ، ليعود المسلم إلى منهاج الله فيرى الصورة بكامل تفصيلاتها:
( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) [ المؤمنون: 8 ]
( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) [ المعارج: 32 ]
وعن أنس رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له )
[ رواه أحمد وابن حبان في صحيحه ] 1
إن الأمانة هي محور العهد الذي أخذه الله من بني آدم من ظهورهم من ذريتهم في عالم الغيب . إنه عهد الإيمان والتوحيد الذي جعله الله في فطرة كل إنسان ، إلا حين تنحرف الفطرة وتتشوّه فإن الأمانة تضيع والعهود تغيب .
( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين . أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون . وكذلك نفصّل الآيات لعلهم يرجعون ) [ الأعراف: 172 ـ 174 ]
وتمتد الأمانة في حياة الإنسان إلى جميع الميادين في الحياة الدنيا ، ويظل المؤمن الصادق هو الذي يرعى الأمانة بأدق صورها ، ويجاهد نفسه وكبره وغروره ، ويجاهد أهواءه وشهواته ، حتى يظل على عهده مع الله ، ويوفي بالأمانة ويجاهد دون ذلك .
يرتبط الوفاء بالأمانة التي حملها الإنسان بأمر النصر الذي ينزله الله على عباده . فالنصر من عند الله وحده ، يهيئ الله أسبابه كلها ويمضي بها قدره حتى يتحقق . فارتبط النصر إذن بالوفاء بعهد الله:
( ... وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ... ) [ البقرة: 40 ]
وأما وعد الله فثابت في أكثر من آية:
( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد )
[ غافر: 51 ]
( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم و ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) [ النور: 55 ]
هذا هو وعد الله ينجزه لعباده المؤمنين وينزل النصر عليهم ، حين يوفون هم بعهدهم مع الله ، وذلك بالوفاء بالأمانة التي حملوها .
ومن أجلِّ أبواب الأمانة"أمانة الكلمة"و"أمانة الفكرة"وأول معاني أمانة الكلمة أن تأتي الكلمة مشرقة بالطهر غنيّة بالصدق ، نابعة من الإيمان والتوحيد ، خاضعة لمنهاج الله ، تحمل الحقَّ وتنصره ، وتصد الباطل والفساد .
إن أول الوفاء بأمانة الكلمة أن تكون طيبة ينتشر طيبها من صدقها ووضوحها وجلائها . وتلك صفة الكلمة عند المؤمنين:
( وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد ) [ الحج: 24 ]
( ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء . تؤتي أكلها كلَّ حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ) [ إبراهيم: 24،25 ]
والكلمة الطيبة لا تعني أنها الضعيفة الخائفة ، اللينة بضعفها المستسلمة بخوفها . كلا ! إنها الكلمة القوية الصادقة . إنها الكلمة التي تلين حين تدعو وحين تتألف القلوب ، وهي الكلمة القوية حين تصدّ الفتنة والفساد ، والعدوان والظلم . إنها عبق في لينها وشدتها .
ولقد أعلى الله سبحانه وتعالى منزلة الكلمة وبيّن عظيم خطرها ، كما جاء في حديث معاذ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
( ... وهل يكب الناس في النار على وجوههم ، أو قال مناخرهم ، إلا حصائد ألسنتهم ) [ رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ] 2
ذلك عندما لا تكون الكلمة موفية بالأمانة والعهد ، ولا نابعة من الصدق والحق ، ولا تكون"الفكرة"نقيّة صافية نابعة من جوهر الإيمان وبركة منهاج الله . إنها تكبُّ عندئذ صاحبها على وجهه في النار . ذلك عندما تفارق الكلمة الوفاء وتدخل في ميدان الغدر والخداع ، والغش والظلم والعدوان .