الكاتب: الشيخ د.سعيد بن ناصر الغامدي
بسم الله الرحمن الرحيم
في تاريخ الأمم عبر وعظات لمن ألقى السمع وهو شهيد , ومن تاريخنا نحن المسلمين الدولة العثمانية التي حكمت معظم بلاد الإسلام قرونًا عديدة , ثم أصابها الوهن والضعف وانحل جسدها حتى انهدم وتلاشى
ويذكر المؤرخون بأن من بدايات مرض الدولة العثمانية تطبيقاتها المخالفة لإعلاناتها , فقد كانت الآستانة تعلن تطبيق الإسلام في كل شؤون الحياة , ثم تصدر الأوامر التنفيذية بعكس ذلك أحيانًا , وكانت البداية في عهد سليمان القانوني, ثم تفاقم الأمر واتسعت المسافة بين الشعار المعلن والتطبيق المنفذ في الواقع , فساء ظن العلماء والقضاة بالدولة , ثم ساء ظن الناس بها , وبدأ التمرد داخليًا يتراكم حتى انفجر بثورات في اليمن والحجاز ونجد وبلاد الشام وطرابلس , وأخذت الدولة العثمانية تفقد مصداقيتها لدى الناس قليلًا قليلًا , وطفق الثائرون ضدها يحركون المشاعر ويهيجون العواطف مستغلين المظالم والمفاسد الإدارية , معلقين ذلك كله على شماعة تخلي الدولة العثمانية عن أحكام الإسلام وتطبيقاته , والذي يطلع على ما كتب في بلاد الشام ومصر ونجد في فترات الصراع بين من يدعو لبقاء الدولة وإصلاح مفاسدها , ومن ينادي بزوالها لأنها تعلن مالا تطبق , يجد أن الآستانة أسأت إلى نفسها من حيث ظنت أنها تتقدم وتتحضر , وأخلت بجوهر مشروعيتها من حيث اعتقدت أنها تسكت الأعداء أو تنال رضاهم .
وأنست بقول ضعفاء العلم والإيمان , واستبعدت من يذكرها وينبهها , وفرحت بضعف العلماء والقضاة واستخذائهم , فكان ذلك من أسباب وهنها وضعفها ثم تلاشيها .
ومما يستخلص من هذا:
أن للدولة كما للإنسان (طاقة أصلية جوهرية) و (طاقة حيوية عملية ) والكمال والقوة والنشاط استمرار الطاقتين معًا وتعاضدهما , والضعف والوهن يأتي إذا أصيبت الطاقة الحيوية العملية , مثل تعطل عضو من أعضاء الإنسان , ولكن الهلاك والموت بأتي إذا أصيبت الطاقة الأصلية الجوهرية , مثل طاقة القلب والدماغ, والتي يمثلها في الدول أساس الدولة ومصدر مشروعيتها وسبب بقائها , مثل النظام الأساسي والدستور والقضاء والعدالة , والتي ليس عند المسلمين مصدرًا لها غير الكتاب والسنة (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب