فهرس الكتاب

الصفحة 4449 من 27345

أ. د. الخضر علي إدريس*

مقدمة

الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهْده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. صلي الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه.

وبعد..

فهذا بحث موجز، تناولت فيه بالدراسة موضوعات رأيت أنها محققة لأهداف هذا المؤتمر المبارك إن شاء الله.

ويمكن إجمال أهم هذه الموضوعات في الآتي:

الموضوع الأول: مفهوم الاتفاق في العمل الإسلامي:

حيث حصرت هذا المفهوم في مبدأين:

الأول: الوحدة هي الأصل والاختلاف أمر طارئ.

الثاني: التعاون على المتفق فيه والعذر في المختلف فيه.

الموضوع الثاني: دواعي الاتفاق.

وقد أجملتها في داعيين، وتحت كلٍ دواعٍ:

أولًا: الدواعي الشرعية.

ثانيًا: الدواعي الواقعية.

الموضوع الثالث: الوسائل المعينة على الاتفاق والوحدة.

تناولتها من خلال وسيلتين:

الأولي: الالتزام بآداب الخلاف.

الثانية: الالتزام بآداب الحوار.

والله الموفق والهادي إلي سواء السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

الموضوع الأول

مفهوم الاتفاق في العمل الإسلامي

الاتفاق بين العاملين في الحقل الإسلامي يعني: أن يتعاونوا علي البر والتقوى، وعلي محاربة الإثم والعدوان، وعلي الأمر بالمعروف، والنهي المنكر، وإصلاح المجتمع، ورده إلي الجادة.

وهذا لا يلزم منه أن يكونوا علي رأي واحد، ومذهب واحد في كل الشؤون، وأن تتطابق وجهات نظرهم فيها، بل لا بد أن تتباين آراؤهم في بعض المسائل والقضايا الفكرية، والمواقف الدعوية، والتراتيب الإدارية والتنظيمية.

وإذا كان هذا واقعًا لا محالة فإنه يقتضي من الدعاة الالتزام بمبدأين أساسين هامين.

أولهما: جعل الوحدة أصلًا والخلاف أمرًا طارئًا.

ثانيهما: التعاون على المتفق عليه والعذر في المختلف فيه، ومن خلال هذه الأسطر المعدودة نبيِّن بشيء من الإيجاز هذين المبدأين.

المبدأ الأول: الوحدة هي الأصل والخلاف أمر طارئ:

لا شك أن وحدة المسلمين هي الأصل الأصيل، والركن الركين، الذي كل فرع دونه يهون، وإذا كان ذلك كذلك، فإن الخلاف مهما عظم شأنه، وعلت درجته، وتعاظمت مكانته، ومهما كانت موضوعاته ومسائله أصلًا في بابها؛ فإنها في مقابلة وحدة الصف، وتوحيد الكلمة أمر طارئ وقضية ثانوية يمكن معالجتها في إطار هذا الأصل؛ ذلك لأن الإسلام إنما جاء أصالة ليقيم جماعة، وينشئ أمة أفرادها متحابون ومتآخون ومتوادون؛ ليكونوا عبيدًا لله، يخرجون من عبادة الهوى، وعبادة العبيد إلى عبادة الله وحده.

والإسلام كما أنه دعا إلى كلمة التوحيد فإنه كذلك دعا إلى توحيد الكلمة، ولا تتحقق كلمة التوحيد على أكمل وجهها إلا بتوحيد الكلمة، فالأمران متلازمان لا ينفكان عن بعضهما.

وهذا ما جاءت النصوص القرآنية والسنية تؤكده، ومن ذلك: قوله تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) ( [1] ) ، و قوله تعالى: (وإنَّ هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) ( [2] ) .

بل الله سبحانه وتعالى سمَّى الإيمان وِحْدَة وسمَّى التفرقة كفرًا فقال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب يردّوكم بعد إيمانكم كافرين وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هُدِيَ إلى صراطٍ مستقيم) ( [3] ) . فالله سبحانه هنا يحذر المؤمنين قائلًا لهم: إن تطيعوا فريقًا من الذين أتوا الكتاب يردّوكم بعد وحدتكم متفرقين، ولذا جاء بعد ذلك الاستفهام الإنكاري: (وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله) فيكون المعنى: وكيف تتفرقون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ( [4] ) .

و يؤيد هذا التأويل ويؤكده سبب نزول هاتين الآيتين والآيات التي قبلها وبعدها، والتي نزلت في شأن الأوس والخزرج عندما كادوا يقتتلون بسبب فتنة ومكر من عدو الله اليهودي شاس بن قيس عندما ذكّرهم بيوم بُعاث، إلا أن الله عصمهم من هذا الشر قبل وقوعه بإدراك الرسول صلى الله عليه وسلم لهم ووعظه إياهم وإصلاحه ذات بينهم ( [5] ) .

ويؤكد هذا المعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا سمَّى التفرقة كفرًا عندما قال: (( لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض ) ) ( [6] ) . وفي رواية أخرى: (( لا ترتدوا بعدي كفارًا ) ) ( [7] ) .

و مثله قوله صلى الله عليه وسلم: (( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ) ) ( [8] ) .

و الله سبحانه وتعالى اعتبر التفرق والشقاق سلوكًا لمنهج الضالين والمنحرفين من الأمم التي سبقتنا، فقال محذرًا لنا منه: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات) ( [9] ) ، وقال سبحانه: (ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل حزبٍ بما لديهم فرحون) ( [10] ) . انظر كيف سماهم مشركين بسبب كفرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت