فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
و مثلها قوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولى ونُصلهِ جهنم وساءت مصيرًا) ( [11] ) .
و هذه المعاني جاءت تؤكدها السنة في أكثر من حديث، ومن ذلك:
قوله صلى الله عليه وسلم: (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) ) ( [12] ) .
و قوله صلى الله عليه وسلم: (( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا ... ) ) ( [13] ) .
و قوله صلى الله عليه سلم: (( المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم ) ) ( [14] ) .
و قوله صلى الله عليه وسلم: (( من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، ثم مات، مات ميتة الجاهلية ) ) ( [15] ) .
و قوله في رواية أخرى: (( ... فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات فميتته جاهلية ) ) ( [16] ) .
و في رواية أخرى: (... إن من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة( [17] ) الإسلام من عنقه )) ( [18] ) .
وقوله صلي الله عليه وسلم: (( ... عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة( [19] ) الجنة فليلزم الجماعة )) ( [20] ) .
و ليس معنى أن يتوحد الناس ويكونوا أمة واحدة، وجماعة واحدة، أن يكونوا في كل الشؤون على رأي واحد، ومذهب واحد، بل لا بد أن تتعدد مذاهبهم ووجهات نظرهم في بعض المسائل، وقد يكون البون في بعضها شاسعًا، ذلك لأن طبيعة البشر هكذا لا بد أن تتفاوت مداركهم ومعارفهم، وحدة أذهانهم في تصور القضايا، ثم الحكم عليها. فلو شاء الله لركَّب في جميع البشر عقلًا واحدًا يفكر بطريقة واحدة، ومنهج واحد في جميع المسائل.
و هذا لا يعني أن الخلاف كله مشروع، بل منه ما هو مشروع ومنه ما هو مذموم.
فالخلاف المذموم هو الذي يؤدي إلى الخلاف والشقاق، والشحناء والبغضاء، والعداوة بين المسلمين فهذا بلا شك محظور، وقد جاءت الكثرة الكاثرة من النصوص تنهي عنه وتحذر منه. ومن ذلك:
قوله تعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) ( [21] ) .
وقوله تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء) ( [22] ) .
و الأدلة والنصوص الواردة في شأن هذا الموضوع يصعب حصرها.
والخلاف المذموم إنما يتصور وجوده في حالتين اثنتين هما:
الأولى:الخلاف المترتب على مسائل قطعية لا يجوز الاجتهاد فيها، وهذا بلا شك باطل مردود على صاحبه وقد جاءت النصوص تنهي عنه وتحذر منه.
الثانية: الخلاف والشقاق المترتب على مسائل يجوز فيها الاجتهاد. وهذا النوع من الاجتهاد ليس منهيًا عنه ابتداء من حيث هو اجتهاد،لأن الاجتهاد في الأصل مشروع، وجاءت النصوص الشرعية دالة على جوازه والإذن به، وإنما المنهي عنه ما يترتب عليه من شقاق وفرقة وشتات وتباغض وتدابر.
و ما دام هذا النوع ليس منهيًا عنه ابتداء من حيث هو اجتهاد فإنه لا بد أن يترتب عليه اختلاف في وجهات النظر بين المجتهدين، وإذا كان الاختلاف مترتبًا لا محالة على هذا النوع من الاجتهاد، والشأن فيه أنه مشروع، فلا يمكن عقلًا ولا شرعًا أن يكون ما يترتب عليه من تعدد وتنوع في الآراء مذمومًا ممقوتًا؛ إذ (لا بد من ما ليس منه بد) ، فلو نهانا الشارع عن الاختلاف في هذا النوع لكلفنا شططًا وعنتًا، والشريعة إنما جاءت لرفع الحرج والعنت والضيق لا الأمر به، ألم تسمع لقوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) ( [23] ) .
وقوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ( [24] ) .
والاجتهاد الذي يترتب عليه مثل هذا الاختلاف المشروع، إنما يقع في الأحكام الشرعية في موضعين اثنين:
الأول: في المسائل التي لم يرد نص بشأنها، بل سكت عنها الشارع وتركها ليتوصل المجتهدون إلى حكمها بواسطة أصول الشرع، وقواعده الكلية، متحرِّين المصلحة في ذلك.
الثاني: المسائل التي وردت بشأنها أدلة ظنية، سواء أكانت ظنية الثبوت، أو ظنية الدلالة، أو ظنية الثبوت والدلالة معًا، وهذه يتوصل إلى الحكم فيها عن طريق الموازنة بين هذه الأدلة سندًا ومتنًا بواسطة قواعد تفسير النصوص، والتعارض والترجيح المعروفة وغيرها من القواعد المشابهة في علم أصول الفقه. وإنما يُمنع الاجتهاد في المسائل التي أدلتها قطعية الثبوت والدلالة معًا ( [25] ) وهذه نادرة في أدلة الشرع. وإذا كان الاجتهاد جائزًا شرعًا في الموضوعين المذكورين آنفًا فإنه لا بد ــ إذا وقع ــ أن يترتب عليه اختلاف في وجهات النظر بين المجتهدين وأن تتعدد تبعًا لذلك مذاهبهم في المسألة الواحدة أو المسائل موضوع النظر.
وهذا التعدد والاختلاف ــ الذي بمثابة تنوع لا تضاد ــ ليس منهيًا عنه شرعًا، بل رتب الشارع عليه الأجر والثواب للمصيب والمخطئ معًا في قوله صلى الله عليه وسلم: (( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر ) ) ( [26] ) .