فهرس الكتاب

الصفحة 14016 من 27345

جمع القرآن الجزء الأول

بسم الله الرحمن الرحيم

جمع القرآن(1)

بقلم: الشيخ / محمد صفوت نور الدين

أخرج البخاري في (صحيحه) عن زيد بن ثابت الأنصاري، (رضى الله عنه) - وكان ممن يكتب الوحي- قال: أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة، وعنده عمر بن الخطاب فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى إن استحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه، وإني أرى أن تجمع القرآن، فقال أبو بكر: قلت لعمر: كيف أفعل شئ لم يفعله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ؟ فقال عمر: هو والله خير،فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر، قال زيد: وعمر عنده جالس لا يتكلم، فقال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شئ لم يفعله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ؟ قال أبو بكر هو والله خير، فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبو بكر وعمر، فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت من سورة (( التوبة ) )آيتين مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ) (التوبة: من الآية128) حتى ختم براءة إلى آخرها .

وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر.

وأخرج البخاري عن زيد ابن ثابت الأنصاري أيضًا: لما نسخنا الصحف من المصاحف فقدت آية من سورة (الأحزاب) كنت أسمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقرأها فلم أجدها عند أحد إلا خزيمة بن ثابت الأنصاري الذي جعل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) شهادته شهادة رجلين: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) (الأحزاب: من الآية23) ، فألحقناها في سورتها في المصحف .

الحديث يبين جمع زيد للقرآن مما كان مكتوبًا فيه من:

العسب: جمع عسيب: وهو جريد النخل يكشطون الخواص ويكتبون في الطرف العريض.

واللخاف: جمع لخفة: وهي الحجارة الرقاق أو صحائف الحجارة.

والرقاع: جمع رقعة، وقد تكون من جلد أو ورق.

وقطع الأديم: الجلد بعد دبغه، أما قبل دبغه فيسمى إهابا.

والأكتاف: عظم البعير أو الشاه كان إذا جف كتبوا عليه

والأضلاع:جمع ضلع، وهوالعظم المعروف.

والأقتاب: جمع قتب، وهو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه.

وقعة اليمامة

كانت فتنة بني حنيفة أصلها في إدعاء مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفي، حيث ادعى النبوة وأرسل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) كتابًا قال فيه: (من مسليمة رسول الله سلام عليك اما بعد: فإني قد أشركت في الأمر معك وإن لنا نصف الأرض، ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشاُ قوم يعتدون ) فأجابه النبي (صلى الله عليه وسلم) (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله(صلى الله عليه وسلم) إلى مسيلمة الكذاب، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإن الأرض له يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين)

وكان ذلك أواخر سنة عشرة من الهجرة، وقد توفى النبي (صلى الله عليه وسلم) قبل القضاء على فتنة مسليمة فكانت وقعة اليمامة من آخر السنة الحادية عشر التي توفي فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، ولكنها أمتدت حتى أول السنة الثانية عشر، وقد صبر فيها الصحابة صبرًا لم يعهد مثله.

يقول ابن كثير في (فضائل القرآن) : إن مسيلمة التف حوله من المرتدين قريب من مائة ألف، فجهز الصديق خالد بن الوليد في قريب من ثلاثة عشر ألفًا، فالتقوا معهم، فانكشف الجيش الإسلامي لكثرة ما فيه من أعراب فنادى القراء من كبار الصحابة: يا خالد خلصنا، يقولون ميزنا عن هؤلاء الأعراب، فتميزوا منهم وانفردوا، فكانوا قريبًا من ثلاثة آلاف، ثم صدقوا الحملة وقاتلوا قتالًا شديدًا وجعلوا يتنادون يا أصحاب سورة البقرة، فلم يزل ذلك دأبهم حتى فتح الله عليهم وولى جيش الكفر فارًا واتبعتهم السيوف المسلمة في أقفيتهم قتلًا وأسرًا وقتل الله مسيلمة وفرق شمل أصحابه، ثم رجعوا في سلام.

وقد قتل من المسلمين في هذه الغزوة خمسمائة وقيل: أربعمائة وخمسون، منهم من المهاجرون والأنصار ثمانية وخمسون غالبيتهم من قراء القرآن، أما من قتل من الكافرين فكانوا بضعة وخمسون ألفًا.

ولقد صبر الصحابة في حرب اليمامة صبرًا لم يعهد مثله وجعل خالد لا يبرز له منهم أحد الا قتله، ولا يدنو منه شئ إلا أكله، وممن استشهد في هذه الغزوة:

جعفر بن ثابت بن قيس حفر لقدميه بعدما تحنط وتكفن يحمل الراية حتى قتل.

زيد بن الخطاب قال: أيها الناس عضوا على أضراسكم، واضربوا في عدوك، وامضوا قدمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت