بقلم: اللواء الركن محمد جمال الدين محفوظ
المعروف أن إرادة القتال والمقاومة والصمود، وأن الحماسة والإيجابية في العمل وروح الإبداع والابتكار، وأن الهزيمة والاستسلام واليأس والسلبية هي كلها"حالات عقلية"تنشأ في عقل الإنسان تحت ظروف معينة فتولد لديه الدوافع النفسية التي تدفعه إلى السلوك الذي يعبر عن تلك الحالات.
وفي مجال الصراع بين الأمم أو بين الجيوش، فإن كل جانب يحرص على أن ينشئ في خصمه"الحالة العقلية"التي تحقق له أهدافه والانتصار عليه. وهنا يأتي دور"الحرب النفسية"أو"الدعاية"التي يجمع الخبراء على أنها أقوى أسلحة الصراع أثرا في تحقيق النصر بسرعة وبأقل الخسائر في الأرواح والمعدات:
"فالحرب بالسلاح"تستطيع أن تدمر القوات والمعدات، و"الحرب الاقتصادية"تحرم الخصم من المواد الحيوية، أما"الحرب النفسية"فهي تستطيع ما هو أخطر وأعمق أثرا، إنها تجرده من أثمن ما لديه وهو"إرادته القتالية"، فهي تستهدف في المقاتل أو المواطن عقله وتفكيره وقلبه وعواطفه لكي تحطم روحه المعنوية وتقوده إلى الهزيمة، وهذا ما دعا القائد الألماني روميل إلى القول بأن"القائد الناجح هو الذي يسيطر عل عقول أعدائه قبل أبدانهم"، ودعا تشرتشل إلى أن يقول:"كثيرا ما غيرت الحرب النفسية وجه التاريخ!".. وقد بلغ من تأثير الحرب النفسية أن كثيرا من الأمم - كما يروي التاريخ- استسلمت لأعدائها قبل أن تطلق جيوشها طلقة واحدة!!
ومن أعظم الدروس التي تستخلص من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في إدارته للصراع مع الأعداء أن"استخدام العامل النفسي في الصراع ضرورة حيوية لتحقيق الأهداف الاستراتيجية"، فمن بين ثماني وعشرين غزوة قادها عليه الصلاة والسلام بنفسه، نجد تسع عشرة غزوة حققت أهدافها بلا قتال، إذ فر الأعداء تحسبا لنتائج مواجهة قوة المسلمين.
وقد قرر الرسول القائد صلى الله عليه وسلم أن"الجهاد باللسان"كالجهاد بالنفس والمال فقال لحسان بن ثابت وكان من شعراء الإسلام:"يا حسان اهج المشركين اهجهم فإن جبريل معك، إذا حارب أصحابي بالسلاح فحارب أنت باللسان"رواه البخاري ومسلم وأحمد.
وليس ذلك فحسب بل إنه عليه الصلاة والسلام يقرر أن الحرب النفسية أشد وأسرع أثرا من حرب السلاح فقد روى أن عبد الله بن رواحة كان يلقي شعرا في هجاء الأعداء في المسجد فاستنكر منه ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه قائلا: بين يدي رسول الله وفي حرم الله تقول الشعر؟ ! فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:"خل عنه يا عمر، فلهي -يعني القصيدة -أسرع فيهم من نضح النبل"وفي رواية"خل عنه يا عمر، فوالذي نفسي بيده لكلامه أشد عليهم من وقع النبل"رواه الترمذي والنسائي.
الحرب النفسية في صراعنا الحضاري:
وليس من شك في أن الأمة الإسلامية تواجه اليوم حربا حضارية، تستهدف تدمير قواها وفرض التبعية عليها، ومنعها من القيام بالنهضة الحضارية التي ترجوها، واستعادة مكانتها اللائقة بها، وإذا كانت الحرب بالسلاح والغزو العسكري والغارات الخاطفة، هي التي تلفت النظر وتستأثر بالاهتمام والانتباه، لما يصاحبها من قعقعة وضجيج على الصعيدين المحلي والعالمي، إلا أنه لا ينبغي مطلقا أن تغفل الأمة عن الدعاية والحرب النفسية أو تقلل من شأنها، لأن القتال له نهاية يوما ما، أما الحرب النفسية فليس لها نهاية، بل هي مستمرة ودائمة في السلم والحرب على حد سواء.
وأستطيع أن أقول إن الإنسان في هذا العصر"يتنفس"الدعاية كما يتنفس الهواء، لكنه في تنفسه للهواء يأخذ ما ينفعه"الأوكسجين ويلفظ ما يضره"ثاني أكسيد الكربون"أما في تنفسه للدعاية والحرب النفسية، فهو لا يستطيع في أغلب الأحوال أن يفعل مثل ذلك، وهو معرض للإصابة"بالعلة النفسية"، التي قد تدمر فيه الإرادة والإيجابية وقوته المعنوية.."
ولكي ندرك حجم هذا الخطر علينا أن نتفهم ماهية الحرب النفسية وأهدافها ووسائلها:
مفهوم الحرب النفسية وأهدافها:
تعرف الحرب النفسية بأنها"هي الاستخدام المخطط للدعاية أو ما ينتمي إليها من الإجراءات الموجهة إلى الدول المعادية أو المحايدة أو الصديقة، بهدف التأثير على عواطف وأفكار وسلوك شعوب هذه الدول بما يحقق للدولة -التي توجهها- أهدافها".
ويلاحظ من هذا التعريف ما يلي:
1 -أن الحرب النفسية لا توجه فقط إلى الدول المعادية أولا تنحصر فقط في نطاق الصراع بين الدول المتحاربة أو المتنافسة، بل هي تشمل أيضا الدول الصديقة والدول المحايدة، ولعل هذا هو ما جعل الخبراء يفضلون لفظ"الدعاية"بدلا من"الحرب النفسية"وكل دولة من دول العالم هي في حقيقتها جماع لتلك الأوصاف الثلاثة"معادية ومحايدة وصديقة"فذلك هو الأمر الغالب في العلاقات الدولية، فالدولة غالبا ما يكون لها أصدقاء وأعداء ودول تقف موقف الحياد في مواجهة بعض قضاياها.