فهرس الكتاب

الصفحة 13422 من 27345

تفسير سورة القمر

الجمعة 9 ذي القعدة 1397 / 21 تشرين الأول 1977

( 3 من 4 )

العلامة محمود مشّوح

(أبو طريف)

إن الله من الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:

لقد رأينا أن نقف اليوم عند معنيين من سورة القمر نرى أن من اللازم أن نقف عندهما ، لا أقول إكمالًا للحديث عن السورة ، فذلك فوق الوسع وأكبر من الطاقة ، ولكن إبرازًا لبعض ما هو ضروري وتلزم معرفته في هذه الأيام التي مرج فيها أمر الإسلام والمسلمين .

سمعتم السورة من قبل ، وقراءة السورة بذاتها تغني والله أعلم عن كل إضاءة وعن كل شرح ، لولا أن الناس في هذه الأيام مصروفون بشدة في طرائق وسبل لا يرضاها الله ولا تنسجم مع وحي الله تعالى ، ولقد بلغت من شدة هذه الطرائق أنها حولت المنكر معروفًا ، والمعروف منكرًا ، وجعلت من قضايا الإسلام ومبادئه الأولية والأساسية حديثًا يقع من الآذان موقع الاستغراب وتكاد القلوب تنكره أشد الإنكار . وذلك كله يبرر في نظرنا الإفاضة في كثير مما لا يستدعي الإفاضة ، ولكنها الضرورة التي لا محيص عن النزول عند أحكامها .

سمعتم السورة ويمكن أن نقول بكل اختصار إن سياقة السورة على النحو التي سيقت عليه يراد منه أساسًا أن تطرد من ذهن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض التصورات التي لا بد أن تقع في ذهن الإنسان أي إنسان وهو في غمرة العمل وعلى وجه الخصوص لا بد أن تقع في أذهان أولئك النفر من الناس الذين بلغت القضية التي يدعون إليها شغاف قلوبهم ، واستقرت في مكان القناعة التي لا تناقش ، فهؤلاء حينما يرون من الناس ما يرون من استغراب وشك وارتياب وسخرية واستهزاء وخصومة ، بل ولدد في هذه الخصومة ، ثم يتحول ذلك كله إلى موجة عارمة وطاغية من الرغبة بالفتك والقتل والمحو والاستئصال ، إن الطراز من الناس الواثقة من أحقية ما يدعو إليه في مواجهة موقف كهذا بحاجة إلى السلوى والعزاء .

ولكنه العزاء الذي لا يكون من نوع التمنيات ولكن بسرد وقائع الماضين ممن يماثلونه في الوصف ويحملون من الرسالة مثلما يحمل ، لكي يخرج هذا الصنف من الناس بالانطباع اللازم أن طبع الناس هكذا ، وأن معطيات الطريق لا بد أن تكون بهذا الشكل ، وأنها يوم أن تكون على غير هذا الشكل فذلك يعني قطعًا أن الطريق غلط . السورة برمتها من حيث الأساس وفي المبدأ أرادت أن تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا مكان للعجب من موقف قومك منك ، فتلك هي طبيعة الأشياء وذلك هو رجع المجتمعات الجاهلية على الدعوات التوحيدية التي جاءت في كل جيل وبين كل قبيل ، وإذًا فالواجب هو الصح ، ومواصلة الطريق ومتابعة بذل المجهود ، وما يلقاه الداعي إلى الله تعالى ممن يوئس ويحمل على السوداوية فذلك لا علاج له إلا المزيد من الصبر ( وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعتَ أن تبتغي نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء فتأتيهم بآية ) لا يمكن ، ولهذا فوعد الله نبيه عليه الصلاة والسلام إزاء ضيق الصدر هذا أن لا يكون من الجاهليين ، لأن التضعضع والملل واليأس والقرف لبعض ما يلقاه الإنسان في طريقه مما هو في طبعه منفر ليس من أخلاق الدعاة ، ولا من طبع النبيين ، ولا من وصف السائرين في طريق الرسالة .

من أجل ذلك عدّد الله تعالى عليه من نبأ الماضين أنباءً فذكر له ما كان من قوم نوح مع نبيهم عليه الصلاة والسلام ، وأعطاه هذه اللمحة الموجزة ( كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر ) وما زادت السورة في الوصف على هذا شيئًا ، لكنها حددت باختصار ما يكفي لإقناع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مثله في الدعوة كمثل إخوانه من الأنبياء ، وأن مثله في ضرورة الصبر على البلاء كمثل إخوانه من الأنبياء أيضًا ، وحسبه أن يفكر بهذا الذي أخبره الله به عن موقف قوم نوح من نوح بأنهم كذبوه ، ولم يكتفوا بالتكذيب وإنما قالوا مجنون ، ووقع هذه الكلمة غير مجهول من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن سفهاء قريش قالوا عن محمد صلى الله عليه وسلم نفس الكلام ، ووصفوه بذات الوصف ونبذوه بنفس اللقب ، قالوا عنه مجنون .

ولهذا فحين تلقى في أذن النبي عليه الصلاة والسلام بطريق الوحي هذه اللفظة فإن لها في نفسه وقلبه وفكره وشعوره ظلالًا لا نستطيع أن نحس بها ، لأنها تلك الظلال التي تتضخم بفعل التجربة المعاشة والمعاناة التي كان يعانيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء القوم .

وجاءت الآيات بجانب آخر من جوانب موقف الكافرين من قوم نوح بهذه اللفظة المفردة ( وازدجر ) يعني زجر ونُهي وأُغلظ له القول ، وأيضًا هذه يدركها رسول الله صلى الله عليه وسلم جيدًا ، لأنه من أول يوم جاءه المشركون حينما رأوه على حالة لم يألفوها ولم يعهدوها واقفًا بين يدي ربه قارئًا راكعًا ساجدًا على خلاف ما يعهدون في أداء الشعائر لأصنامهم ، نهروه وتهددوه وتوعدوه ، فهو يعرف عليه الصلاة والسلام ما تعنيه هذه الكلمة ( وازدجر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت