د. محمد عمر دولة*
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على رسولِ الله الأمين، وعلى آلِه وصَحبِه أجمعين. وبعد، فإنَّ التوفيقَ مِن أعْظمِ النِّعَم التي يَمُنُّ الله بها على عِبادِه. فهو عنوانُ سعادةِ العبد، كما قال القرطبي رحمه الله:"إنَّ العبدَ لا ينالُ مِن السعادةِ عطاءً أفضلَ من التوفيق". [1]
فمِن أعظمِ النِّعَمِ: الهِدايةُ إلى الخير، وهي لا تتأتَّى لأحدٍ إلا بتوفيقِ الله عزَّ وجلَّ، وذلك هو الطريقُ المستقيمُ الذي يتضرَّعُ كلُّ واحدٍ منّا إلى الله أن يَهْدِيه إياه، كلما قال: (اهْدِنا الصراطَ المستقِيم) أي"ألْهِمْنا الطريقَ الهادي، وإلْهامُه إياه ذلك: هو توفيقُه له... ومعناه نظيرُ معنى قولِه: (إياك نستعين) في أنه مَسألةُ العبدِ ربَّه التوفيقَ للثباتِ على العملِ بطاعتِه وإصابةِ الحقِّ والصوابِ فيما أمرَه به ونَهاه عنه فيما يَستَقبلُ مِن عُمُرِه". [2]
فلولا توفيقُ الله؛ لم يتيسَّرْ لأحَدٍ إتيانُ الطاعات، والمسابقةُ إلى الخيرات؛ وقد قال الله عزَّ وجَلَّ: (واسْألُوا الله مِن فَضْلِه) أي"سَلُوهُ التوفيقَ لِلعَملِ بما يُرْضِيه. وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: سَلُوا ربَّكم حتى الشبع؛ فإنه إنْ لم يُيَسِّرْهُ الله عزَّ وجَلَّ لم يَتَيَسَّرْ، وقال سفيانُ بن عُيَينة: لم يَأمُرْ بالسؤالِ إلا لِيُعْطي". [3]
فلا هِدايةَ لأحدٍ؛ إلا بِفَضْلِ الله وعَوْنِه وتَوفِيقِه. ورَحِمَ الله الفَخْرَ الرازي حيث قال:"لَمَّا رأيْنا الأكْثَرِين غَرِقُوا في بَحْرِ الضَّلالات؛ عَلِمْنا أنَّ الوُصُولَ إلى الحقِّ ليس إلا بِهدايةِ اللهِ تعالى؛ ومِمَّا يُقوِّي ذلك أنَّ كُلَّ الملائكةِ والأنبياءِ أطْبَقُوا على ذلك، أما الملائكةُ فقالوا: )سُبْحانَك لا عِلْمَ لنا إلا ما علَّمْتَنا إنك أنتَ العَلِيمُ الحكيم (، [4] وقال آدمُ عليه السلام: ) وإنْ لم تَغفِرْ لنا وتَرْحَمْنا لَنكونَنَّ من الخاسِرِين)، [5] وقال إبراهيم عليه السلام: (لئنْ لم يَهْدِني ربِّي لأكُونَنَّ مِن القومِ الضالِّين) ، [6] وقال يوسف عليه السلام: (توفَّنِي مُسلِمًا وألْحِقْني بالصالِحِين) ، [7] وقال موسى عليه السلام: (ربِّ اشْرَحْ لي صَدري) [8] الآيات، وقال محمد عليه السلام: (ربَّنا لا تُزِغْ قلوبَنا بعد إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لنا مِن لَدُنْكَ رَحمةً إنك أنتَ الوهَّاب) [9] ". [10]
وهل حَسَدَنا اليهودُ والنصارى؛ إلا على نِعْمةِ التوفيقِ، كما قال الطبري في تفسيرِ قولِ الله عزَّ وجَلَّ: (وَدَّ كثيرٌ مِن أهلِ الكتابِ لو يَرُدُّونَكم من بعدِ إيمانِكم كُفارا) : [11] "يعني حَسَدَكم أهلُ الكتابِ على ما أعْطاكم الله مِن التوفيقِ، ووَهَبَ لكم مِن الرشادِ لِدِينِه والإيمانِ برسولِه، وخصَّكم به من أنْ جَعلَ رَسُولَه إليكم رجلا مِنكم رءوفا بكم رَحيمًا ولم يَجْعَلْه منهم فتكونوا لهم تَبَعًا". [12]
ولو تأمَّلْنا ألوانَ النِّعَمِ؛ لَوَجَدْنا توفيقَ الله لنا مِن أعظمِ الرحماتِ؛ لاشتمالِه على الهدايةِ إلى الخيرِ والعِصمةِ من الشر، كما قال أهلُ العلمِ في تفسيرِ قولِ الله عزَّ وجل: (وهو اللطيفُ الخبير) [13] أي: الرفيقُ بعبادِه، يقال: لطفَ فُلانٌ بفلانٍ يلطُف: أي رفق به... واللطفُ مِن الله تعالى: التوفيقُ والعِصمة... وقال الجنيد: اللطيفُ: مَن نَوَّرَ قلبَك بالهدى، وربَّى جسمَك بالغِذا، وجعلَ لك الولاية في البلوى، ويحرسُك وأنتَ في لَظًى، ويُدخِلُك جنةَ المأوى". [14] "
ولأهميةِ التوفيقِ وضَرُورتِه كان مِن حكمةِ الله أن جعلَ العبدَ يلهجُ بالدعاء لِتَحْصِيلِه في كل ركعةٍ من الصلاة؛ فيتوجه إلى الله قائلًا: (اهْدِنا الصِّراطَ المستقيم) ، قال البغوي رحمه الله:"هذا الدعاءُ مِن المؤمِنين مع كَوْنِهم على الهدايةِ بِمَعنَى التثبيتِ وبِمَعنى طَلَبِ مَزيدِ الهدايةِ؛ لأنَّ الألْطافَ والهداياتِ مِن الله تعالى لا تَتَناهَى... وقوله: (صِراطَ الذين أنعَمتَ عليهم) أي مَنَنْتَ عليهم بالهدايةِ والتوفيق، قال عكرمة: مَنَنْتَ عليهم بالثباتِ على الإيمانِ والاستقامةِ، وهم الأنبِياءُ عليهم السلام، وقيل: هم كلُّ مَنْ ثَبَّتَهُ اللهُ على الإيمانِ مِن النبيِّين والمؤمِنين الذين ذَكَرَهم الله تعالى في قولِهِ: (فأولئك مع الذين أنعَمَ الله عليهم مِن النبِيِّين) [15] ". [16]