ولكمالِ علمِ النبي صلى الله عليه وسلم بنعمة التوفيقِ؛ كان صلى الله عليه وسلم يدعو ربَّه: (اللهم يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنا على دِينِك) ؛ ذلك أنَّ القُلوبَ لا تثبُتُ إلا بتوفيقِ الله عز وجل الذي يَحُولُ بين المرءِ وقلبِه، وقد روى البخاري في كتاب التوحيد، باب (مُقَلِّب القُلُوب، وقول الله تعالى: ونُقَلِّبُ أفئدتَهم وأبْصارَهم) عن عبد الله بن عمر قال: (أكثرُ ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يَحْلِفُ: لا ومُقَلِّبِ القُلُوب) . [17] وروى أنس رضي الله عنه قال: (كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُكثِرُ أن يقولَ: يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قلبِي على دِينِك! فقلت: يا رسولَ الله آمَنا بك وبما جئتَ به؛ فهل تخافُ علينا؟ قال: نعم؛ إنَّ القلوبَ بين إصبعين مِن أصابعِ الله يُقلِّبها كيف يشاء) . [18] وقد سأل شهر بن حوشب أمَّ سلمة رضي الله عنها: (يا أمَّ المؤمنين ما كان أكثرُ دُعاءِ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان عندك؟ قالت: كان أكثرُ دعائه: يا مُقَلِّبَ القُلوبِ ثَبِّتْ قلبِي على دِينِك! قالت: قلتُ: يا رسولَ الله ما أكثرَ دعاءَك: يا مُقَلِّبَ القلوبِ ثَبِّتْ قلبِي على دِينِك! قال: يا أمَّ سَلمةَ إنه ليس آدمِيٌّ إلا وقَلبُه بين إصبعين مِن أصابعِ الله؛ فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ) . [19]
وقد ذكر الذهبي في ترجمة الإمام الثقة القدوة العابد عبد الله بن زيدان [20] أنَّ الحافظ محمد بن أحمد بن حماد قال عنه:"كان ثقةً حُجةً كثيرَ الصمتِ، وكان أكثرُ كلامِه منذ يقعد إلى أن يقوم: (يا مُقلِّبَ القلوبِ ثَبِّتْ قلبِي على طاعتِك) ؛ لم تر عيني مثله"! [21] وروى ابن سعد قال:"كان الحسنُ البصري إذا فَرَغَ مِن حديثِه، فأراد أن يقومَ قال: اللهم طَهِّرْ قُلوبَنا مِن الشِّركِ والكِبْرِ والنفاقِ والرياءِ والسُّمْعةِ والرِّيبةِ والشَّكِّ في دِينِك؛ يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنا على دِينِك، واجْعلْ دِينَنا الإسلامَ القيِّم". [22]
وروى ابن الجوزي أنَّ الشبلي"كان ينوح يومًا، ويقول: مَكَرَ بك في إحسانِه؛ فتناسَيتَ! وأمْهَلَك في غيِّك؛ فتمادَيت! وأسْقَطَك مِن عَينِه؛ فما دَرَيتَ ولا بالَيت! وقال: ليت شعري؛ ما اسمي عندك غدًا يا عَلامَ الغُيُوب؟ وما أنتَ صانِعٌ في ذُنوبِي يا غَفَّارَ الذُّنُوب؟ وبِمَ تَختِمُ عَملِي يا مُقلِّبَ القُلُوب؟!" [23]
[1] الجامع لأحكام القرآن 10/309.
[2] جامع البيان للطبري 1/72.
[3] الجامع لأحكام القرآن 5/165.
[4] البقرة 32.
[5] الأعراف 23.
[6] الأنعام 77.
[7] يوسف 101.
[8] طه 25.
[9] آل عمران 8.
[10] التفسير الكبير1/277.
[11] البقرة 109.
[12] جامع البيان 1/488.
[13] الأنعام 103.
[14] الجامع لأحكام القرآن 7/57.
[15] النساء 69.
[16] معالم التنزيل 1/54.
[17] صحيح البخاري 6/2691، حديث 6956.
[18] الجامع الكبير للترمذي 4/448، حديث2140. ورواه أحمد 3/112، حديث 12128.
[19] الجامع الكبير للترمذي 5/538، حديث 3522.
[20] توفِّيَ سنة ثلاث عشرة وثلاث مئة.
[21] سير أعلام النبلاء للذهبي 14/437.
[22] الطبقات الكبرى لابن سعد 7/176، دار صادر، بيروت.
[23] صفة الصفوة 2/458. دار النمعرفة بيروت، ط2.