فهرس الكتاب

الصفحة 8883 من 27345

أ.د/أحمد الخطيب

دخلت مع صديق لى من أهل العلم في حوار عن الهدف من تشريع بعض الأحكام والتكاليف الشرعية ، كالصلاة والصوم ، فوجدته يكرر ما نسمعه فوق المنابر من تعليل لهذه الأحكام ، وبيان لحكمة تشريعها ، مما يكون مقنعا أحيانا ، وبعيدا كل البعد أحيانا أخرى ، فقال لى: هل تنكر أن هناك حكما للتشريع ؟ فقلت: كلا لكننى أنكر التكلف في ذلك وافتعال ما لا يعد في ميزان الحق حكما فإن مثل هذا يضر أكثر مما ينفع.

ثم سألته: لماذا نبحث عن حكم التشريع ؟ فأجاب لكى نطمئن إلى عظمة التشريع الإلهى ولكى يكون وسيلة إلى جذب غير المسلمين إلى الإسلام حين يقفون على هذه الحكم0 قلت: إن هذا لغرض نبيل حقا لكنه أدعى إلى مزيد من الاهتمام والتركيز في استنباطها حتى تكون مثمرة ومحققة للهدف المنشود منها ولنفرق بين ما هو فائدة قد ترتبت على التشريع وبين ما هو حكمة للتشريع0 ثم فارقته على أمل أن يتجدد لقاء بيننا ننظر فيه إلى ذات القضية بصورة أعمق ، ثم رأيت أن أثبت رؤيتى حولها في هذه الكلمات0

دور العقل في الوقوف على حكم التشريع الربانى:

بادئ ذى بدء يجب علينا أن نعى أن الحديث عن حكم التشريع هو حديث عن نتاج عقلى بشرى ، إذ إن هناك فرقا بين التشريع الذى هو إلهى ، وبين الحِكَم التى كانت وراء هذا التشريع فإن الحديث عن هذه الأخيرة هو حديث عن فهم بشرى واستنباط عقلى ، وغير خاف أن ما كانت العقول مصدره لا يسلم به عند جميع الناس ، ضرورة أن الناس مختلفون في أفهامهم وسعة مداركهم ، ومن ثم فإنه لا يجوز لأحد أن يجزم بأن ما ذكره هو حكمة التشريع في علم الله ، فإن ذلك تأل على الله تعالى ما لم يبين لنا من حكمة ، اللهم إلا إذا ذكرت هذه الحكمة في القرآن أو جاءت على لسان النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإنه لا مجال حينئذ سوى التسليم ، وما وراء ذلك مجرد احتمالات قابلة لأن تكون خطأً كما أنها قابلة لأن تكون صوابا0

إن الله ـ عز وجل ـ حين منحنا العقل حد له حدودًا لا يتخطاها ، وإن من كمال احترامنا لذاتنا ولعقولنا أن نقف بها عند الحد الذى رسم لنا ، وألا نتجاوزه ، لأن مجاوزة الحد ظلم وطغيان ، ومن الخطأ بمكان أن يعتقد واحد من الناس كائنا من كان - بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم - أنه مستوعب لأسرار الشريعة واقف على حقيقة المراد بكل تكاليفها ، بحجة أن له ذهنا وقادا ، وعقلا حادًّا يجيد التفكير ، وما أكثرهم في هذه الأيام ،وينبهنا إلى خطورة هذا الاعتقاد الإمام أبوحامد الغزالى في كتابه العظيم"إحياء علوم الدين"حيث قال:

"فى دقائق سنن الشرع وآدابه ، وفى عقائده التى تعبد الناس بها أسرار ولطائف ليست في سعة العقل وقوته الإحاطة بها كما أن في خواص الأحجار أمورًا عجائب غاب عن أهل الصنعة علمها حتى لم يقدر أحد على أن يعرف السبب الذى به يجذب المغناطيس الحديد ، فالعجائب والغرائب في العقائد والأعمال أكثر وأعظم ... فيكفيك من منفعة العقل أن يهديك إلى صدق النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويفهمك موارد إشاراته ، فاعزل العقل بعد ذلك عن التصرف ولازم الاتباع فلا تسلم إلا به" ( )

وهذا ما يفيده كلام على ـ كرم الله وجه ـ حين قال:"لو كان الدين بالرأى لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه ، وقد رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يمسح على ظاهر خفيه" ( )

هذه مقدمة قد تساعدنا على معرفة دور العقل في الوقوف على حِكَم التشريع الربانى ، إذ ليس أجدى من ان يُشغَلُ العقل بالتفكر في دين الله وكيف يقوم المرء بخدمته، وكيف يصير الدين أكبر همه ، وما من شك في أن البحث عن حكم التشريع هو جزء من ذلك الهدف المنشود ووسيلة من وسائل خدمة هذا الدين وإظهار عظمة التشريع الربانى ، لكن يجب علينا أن نعلم أن للعقل حيال ذلك كله حدودا لابد من أن يقف عندها ولا يتخطاها ، لأن الحكمة من التشريع قد تكون ظاهرة فتدرك ، أو خفية فيُسَلَّم للحكم وإن خفيت حكمته ، لأن شعار المؤمن دائما مع ربه هو"سمعنا وأطعنا"فى كل ما يأمر به أو ينهى عنه ظهرت الحكمة من ذلك أو لم تظهر0

وفى سبيل تحقيق هذا الغرض السامى الذى أشرت إليه ، دأب كثير من العلماء أثناء معالجتهم للموضوعات التشريعية ، أن يذكروا حكمة التشريع ، وهذا فعل طيب إن لاقى قبولًا واقتناعًا من المخاطب ، وهذا لن يتأتى إلا إذا انعدم التكلف في افتعال هذه الحكمة ، فمن اللازم إذن أن تكون هذه الحكمة نابعة عن قناعة المتكلم أولًا ، حتى تقابل بقناعة من المخاطب ، فما يخرج من القلب ينفذ إلى القلب ، لكن أن تساق هذه الحكم افتعالًا وتكلفًا فهذا ما لا يرضاه المخاطب ، ولا يتقبله ، إذ كيف يتقبل قولًا لم يقتنع به قائله تمام الاقتناع ، بل ساقه افتعالًا وتكلفًا ، هنا نتذكر القول المشهور:"فاقد الشئ لا يعطيه"

وسأضرب لدعوى التكلف هذه من الأمثلة ما يدعمها كى لا تكون دعوى جوفاء ، لا حراك فيها ولا حياة0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت