فهرس الكتاب

الصفحة 16131 من 27345

(( رحمةً للعالمين ))

عمر الحبر يوسف*

إن تعجب فعجب أمر أولئك القوم الجهلاء الذين يحاولون النيل من رسول الله صلي الله عليه وسلم - بأبي وأمي هو- يحملهم علي ذلك حقد دفين وحسد لا ينقطع. ومرد هذا العجب إلى الفعل وباعثه أما الفعل فلأن مثل تلك التفاهات من رسومات ونحوها تسييء أول ما تسييء إلى أصحابها فهي تبين بجلاء مرض نفوسهم وانحطاط ثقافتهم وخواء فكرهم ثم هي من بعد تسييء إلى الإنسانية جمعاء عبر حقبها وعصورها فلئن كان التاريخ الإنساني يحفظ سير أعلام المصلحين العظام فمحمد صلى الله عليه و سلم هو سيدهم وإمامهم بلا ريب.

المصلحون أصابع جمعت يدًا ** هي أنت بل أنت اليد البيضاء

وأما الباعث فمرد العجب فيه إلى أن أولئك القوم يحسدوننا ونحن على ما نحن فيه من تأخر وهم على ما هم فيه من تقدم وتطور -مادي- فكيف لو غيرنا ما بأنفسنا لنظفر بسعادة الدنيا والدين ؟!وتحققت فينا سنة الله في العالمين؟! أيموتون بغيظهم؟!.

الحق أن الرسول صلى الله عليه وسلم اجتمع فيه من كريم الخصال ما تفرق في غيره فما من خلق يحمد إلا وكان له فيه صلى الله عليه وسلم القِدح المعلى والسهم الرابح. وقد كان خلق الرحمة ملازما له صلى الله عليه وسلم لا يفارقه لا في حرب ولا وفي سلم ولا في عسر ولا في يسر، لا يفارقه وهو مطارد في شعاب مكة ولا يفارقه وهو يقيم دولته في المدينة المنورة ، رحمة وسعت الكبير والصغير والخصم والنصير، بل وسعت الطير والحيوان (وفي كل ذات كبد رطبة أجر) .

يبكي صلى الله علية وسلم وتفيض عيناه لموت صبي صغير يقول له بعض أصحابه: ما هذا يا رسول الله؟ يقول: هذه رحمة يضعها الله في قلوب من يشاء من عباده.

وجاء يهودي يتقاضاه دينا فأخذ بمجامع ثياب النبي صلى الله عليه وسلم وأغلظ له القول كان مما قال: إنكم يا بني عبد المطلب لقوم مطل.فانتهره عمر وشدد له في القول قال صلى الله عليه وسلم: أنا وهو كنا إلي غير هذا أحوج يا عمر , تأمرني بحسن القضاء وتأمره بحسن التقاضي ثم قال: لقد بقى من أجله ثلاث وأمر عمر يقضيه ماله ويزيد عشرين صاعًا لما روعه فكان ذلك سببًا في إسلام اليهودى.

وفي غزوة أحد تكسر رباعية النبي صلى الله عليه وسلم ويشج وجهه الكريم فشق ذلك على الصحابة جدًا فقالوا يا رسول الله لو دعوت عليهم .فيقول: إني لم أبعث لعانًا ولكنني بعثت داعيا ورحمة اللهم اهدي قومي فإنهم لايعلمون.

وإذا رحمت فأنت أم أو أب ** هذان في الدنيا هم الرحماء

ويفتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة فيدخلها خاشعًا مطرق الرأس يتلو سورة الفتح متوجهًا إلى بيت الله فيجتمع إليه زعماء مكة الذين أخرجوه منها وحاولوا قتله وآذوه في نفسه وبيته وأصحابه، فيقول لهم: يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم ؟ قالوا: خيرًا أخ كريم وابن أخ كريم، فيقول: اذهبوا فانتم الطلقاء.

إنه صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة للعالمين كما قال تعالى: (( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) ) وهو المبعوث ليخرج الناس - كل الناس - من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد.وهو الذي أخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام وسماحته.

ولنتأمل قوله تعالى: (( قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآيتنا يؤمنون.الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ) ).إن الحياة الإنسانية الكريمة لا تكون الا بعمل المعروف الطيب وهجر المنكر الخبيث ولا يكون الإنسان إنسانا إذا لم يتحرر من أغلال الشرك وهوى النفس وانطماس البصيرة. فالإسلام دعوة تحرير للروح من أسر المادة، وتحرير للعقل من قيد الجهل والخرافة وتحرير للفكر من التقليد والتبعية.

لقد كان الناس قبل بعثته صلى الله عليه وسلم في ظلمات من الجهل بعضها فوق بعض:

أتيت والناس فوضى لا تمر بهم ** إلا على صنم قد هام في صنم

فأحدث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك التغيير العجيب الذي يجعل عابد ما يصنع بالأمس يخاطب الحجر الأسود قائلًا: ( والله إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر ولولا أنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك ) ويجعل إبن بيئة الجاهلية يخطب في الناس عند وفاته صلى الله عليه وسلم قائلًا: ( من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ) .

لقد كانت بعثته صلى الله عليه وسلم إتمامًا لمكارم الأخلاق وصونًا للحرمات وأداءًا للحقوق ونصرة للمستضعفين ودعوة للخير والصلاح والسلم والإخاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت