فهرس الكتاب

الصفحة 25669 من 27345

(تأثر بعض زعماء قريش / تأثر وفد النصارى )

لقد كان كثير من المشركين مقتنعين بأن ماجاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم حق وأنه من عند الله تعالى, ولقد كانوا على يقين بأن القرآن كلام الله تعالى وأنه ليس من كلام البشر , ولكن كان يمنع من أصرَّ منهم على الكفر من الدخول في الإسلام هواهم المنحرف , ولقد اعترف بعضهم بنداء عقولهم نحو الاعتراف بصدق النبي صلى الله عليه وسلم كما اعترفوا بأن هوى أنفسهم قد غلبهم فأصروا على ماهم فيه من الباطل .

ومما جاء في هذا المعنى ما أخرجه محمد بن إسحاق رحمه الله تعالى من حديث الإمام الزهري أنه حَدَّث أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي حليف بني زهرة خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بالليل في بيته , فأخذ كل رجل منهم مجلسًا ليستمع فيه ,وكلٌّ لايعلم بمكان صاحبه , فباتوا يستمعون له , حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا , وقال بعضهم لبعض: لاتعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئًا ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه, فباتوا يستمعون له , حتى إذا طلع الفجر تفرقوا , فجمعهم الطريق فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة .

ثم انصرفوا فلما كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه , فباتوا يستمعون له , حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فقال بعضهم لبعض: لانبرح حتى نتعاهد أن لانعود , فتعاهدوا على ذلك , ثم تفرقوا .

فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف مايراد بها وسمعت أشياء ماعرفت معناها ولامايراد بها , فقال الأخنس: وأنا والذي حلفت به كذلك .

قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته فقال: يا أبا الحكم مارأيك فيما سمعت من محمد ؟

فقال: ماذا سمعت ! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف , أطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا , حتى إذا تحاذينا على الرّكَب وكنا كفَرسَي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك مثل هذه ؟ والله لانؤمن به أبدًا ولانصدقه , فقام عنه الأخنس وتركه ( [1] ) .

في هذا الخبر مثلٌ من قوة تأثير رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن الكريم على السامعين , فهؤلاء فطاحلة الكفر يتسللون سرّا ليستمع كل واحد منهم قراءته ليلًا , مدفوعين إلى هذه المغامرة بما أُخذُوا به من جاذبية بيانه وهيئته الأخاذة وهو يتلو كتاب الله تعالى وبما يحتوي عليه هذا الكتاب العظيم من إعجاز في بيانه ومحتواه .

وبعد أن استمع هؤلاء النفر لقراءة النبي صلى الله عليه وسلم وقعوا في صراع نفسي بين تغليب منطق العقل وتغليب منطق الهوى والعاطفة , ثم قرروا تغليب جانب الهوى والعاطفة في النهاية ( [2] ) .

وهذا نوع من السفول في التفكير والانحطاط في درجات الإنسانية حيث ينحدر الإنسان إلى خلائق البهائم العجماوات , ويعطلُ الاستفادة من عقله الذي وهبه الله إياه في أقدس وأعظم أمر يجب أن يفكر فيه وهو مستقبله بعد الموت .

وفي هذا الخبر مثل من الاعتراف بالحق ثم الإصرار على الباطل , وهذه نهاية الصراع بين منطق الهوى ومنطق العقل, وإذا انحط الإنسان إلى هذا الدرك أصبح مختومًا على قلبه فلا يدرك غالبًا إلا ما يتلاءم مع هواه , ولهذا يصدر من مثل هذا كثير من السلوك الذي يزدريه أهل العقل السليم.

وفي هذا الخبر بيان سبب من أهم أسباب الضلال , وهو الاعتصام بالمجد الدنيوي واعتبار الجاه والمنزلة في الدنيا هدفًا يُسعى إليه , فإذا استقر ذلك في القلب أصبح عقيدة يسعى صاحبها لتنميتها والدفاع عنها . وأصبح تفكيره محصورًا فيها مصروفًا عن سماع الحق والتفكير فيه, وبهذا يكون الجاه والمجد الدنيوي من أعظم الأوثان التي تصرف عن عبادة الله تعالى .

ومن أمثلة قوة تأثير النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن ما أخرجه الإمام البيهقي من حديث عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن فكأنه رقَّ له .

فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال: ياعم إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالًا , قال: لم ؟ قال: ليعطوكه فإنك أتيت محمدًا لتعرض لما قبلَه , قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالًا , قال: فقل فيه قولًا يبلغ قومك أنك منكر له , قال: وماذا أقول فيه فو الله مافيكم رجل أعلم بالأشعار مني, ولا أعلم برجزه ولابقصيده مني , ولا بأشعار الجن , والله مايشبه الذي يقوله شيئًا من هذا , ووالله إن لقَوْله الذي يقول حلاوة وإن عليه لطلاوة , وإنه لمثمر أعلاه , مغدق أسفله , وإنه ليعلو وما يُعْلَى , وإنه ليحطم ماتحته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت