فهرس الكتاب

الصفحة 25670 من 27345

قال: لايرضى عنك قومك حتى تقول فيه , قال فدعني أفكِّرْ فيه , فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره , فنزلت (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا) (سورة المدثر آية 11 ) ، ثم ذكر طرقًا أخرى مرسلة وقال: وكل ذلك يؤكد بعضه بعضا ( [3] ) .

وقد جاء في رواية مقاربة أخرجها ابن إسحاق رحمه الله أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش وكان ذا سِنٍّ فيهم , وقد حضر الموسم فقال: يامعشر قريش إنه قد حضر هذا الموسم وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا , فأجمعوا فيه رأيًا واحدًا ولاتختلفوا فيكذِّب بعضكم بعضًا ويرد قولكم بعضه بعضًا .

فقالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا فيه رأيًا نقول به , فقال: بل أنتم فقولوا أسمع .

فقالوا: نقول: كاهن , فقال: ماهو بكاهن , لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولاسجعه.

فقالوا: فنقول: مجنون , فقال: ماهو بمجنون , ولقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولاتخالجه ولاوسوسته.

قالوا: فنقول شاعر , قال: ماهو بشاعر , لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر .

قالوا: فنقول ساحر , قال: فما هو بساحر , لقد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثهم ولاعقدهم .

قالوا: ماتقول يا أبا عبد شمس ؟ قال: والله إن لقوله طلاوة وإن أصله لَعَذْق ( [4] ) وإن فرعه لجناة, وما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عُرف أنه باطل , وإن أقرب القول لأن تقولوا ساحر جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجته وبين المرء وعشيرته , فتفرقوا عنه بذلك , فجعلوا يجلسون بسُبُل الناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا لهم أمره .

فأنزل الله عز وجل في الوليد بن المغيرة وفي ذلك من قوله

(ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا) (11 ) (وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا) (12 ) (وَبَنِينَ شُهُودًا) (13 ) (وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا) (14 ) (ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ) (15 ) (كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا) (16 ) (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا) (17 ) (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ) (18 ) (فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ) (19 ) (ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ) (20 ) (ثُمَّ نَظَرَ) (21 ) (ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ) (22 ) (ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ) (23 ) (فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ) (24 ) (إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) (25 ) (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ) (26 ) (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ) (27 ) (لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ) (28 ) (لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ) (29 ) (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) (30 ) [سورة المدثر] ( [5] )

قال ابن إسحاق: وأنزل الله عز وجل في النفر الذين كانوا معه يصنِّفون له القول في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيما جاء به من عند الله (كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ) (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ) (عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الحجر: 90-93] .

قال ابن إسحاق: فجعل أولئك النفر يقولون ذلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن لقوا من الناس, وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها ( [6] ) .

وقوله:"وإن أصله لعذق"قال السهيلي: وقول الوليد:"إن أصله لعذق وإن فرعه لجناة"استعارة من النخلة التي ثبت أصلها وقوي وطاب فرعها إذا جني , والنخلة هي العذق بفتح العين, ورواية ابن إسحاق أفصح من رواية ابن هشام لأنها استعارة تامة يشبه آخر الكلام أوله, ورواية ابن هشام: إن أصله لغَدَق , وهو الماء الكثير ( [7] ) .

وماجاء في رواية البيهقي من قوله"لمغدق"لعلها لغدق كما جاء في الرواية التي حكاها ابن هشام.

وهكذا تبين لنا من هذا الخبر عظمة النبي صلى الله عليه وسلم وقوته في التأثير بالقرآن على سامعيه , فالوليد ابن المغيرة كبير قريش ومن أكبر سادتهم , ومع مايحصل عادة للكبراء من التكبر والتعاظم فإنه قد تأثر بالقرآن ورق له واعترف بعظمته ووصفه بذلك الوصف البليغ المؤثر .

وفي هذا الخبر بيان لصورة من صور المكر الذي كان يقوم به فرعون هذه الأمة أبو جهل من التنفير عن الإسلام فكان كلما رأى رجلًا من أشراف قريش قد مال إلى الإسلام ابتكر من أنواع المكر ما يستطيع به التأثير عليه لإدراكه بأن موازين القوى تتغير بانضمام عدد من الأشراف إلى الإسلام , وقد كان الوليد بن المغيرة من أكابر قريش سنًّا ومنزلة , وقد أظهر إعجابه بما سمع من القرآن ووصفه بذلك الوصف البليغ الذي صدر منه وهو في حال استجابة لنداء العقل وتحرر من نداء العاطفة , فلما دخل في تفكيره كلام أبي جهل غلب عليه نداء العاطفة ففضل البقاء على ميراث الآباء والأجداد وإن كان ضلالًا , وحجب نداء العقل السليم والتفكير المتزن .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت