بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي
كثير من المسلمين اليوم يتحدّثون عن"التغيير"، عن تغيير واقعهم من الهزائم والهوان إلى النصر والعزَّة . ولكن معظم الذين يتحدَّثون يتحدَّثون حديث الأماني وهم على أرائِكهم لاهون ، أو في غفوتهم ساهون:
(وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ)
[ البقرة: 78 ]
وآخرون يتنقلون هنا وهناك ، يتحدّثون عن التغيير ويبحثون عن آليته ، ويضعون آمالهم وأمانيهم في هذا الموقع أو ذاك ، ليقوم هذا الموقع بالتغيير المطلوب ، وكأنّه ليس لهم دور ولا عليهم مسؤوليّة ، ينظرون دائمًا إلى غيرهم لا إلى أنفسهم ! ويطالبون غيرهم ولا يطالبون أنفسهم .
ومن هؤلاء من يصبح تبعًا لهذا الموقع أو ذاك ، يُعطّل قواه الفكرية والنفسية ، ويعطّل علمه ومواهبه وقدراته ، في تبعية عمياء ، يجعل هذا الموقع أو ذاك وثنًا يضع فيه كلّ آماله وأمانيه ، حتى يُصدَم بعد سنين طويلة أو قصيرة حين تهوي الأصنام ولا تتحقّق الآمال والأحلام والظنون ، ولا يقع تغيير إلا إلى الأسوأ. وإلى ابتلاء أشدّ:
(وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ )
[البقرة: 167 ]
هذه التبعية العمياء ينكرها الإسلام ويحاربها . وأوّل معاني الحرب عليها أن جعل الله مصير التابع والمتبوع على الصورة التي عرضناها من التبعية العمياء على الضلال ، جعل الله مصير هؤلاء وهؤلاء في النار ، في جهنم وبئس المصير ، يتلاومون كما رأينا في الآيات السابقة وكما نرى في الآيات التالية:
(وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ)
[ غافر: 47-48 ]
وكذلك:
(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ ، وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
[ سبأ: 31-33 ]
هذه الآيات الكريمة تتحدّث عن التبعية العمياء للكافرين المستكبرين الذين تبعهم المستضعفون ، فلم يشفع لهم ضعفهم أمام المستكبرين عند الله يوم القيامة . نورد هذه الآيات لتكون نذيرًا لمن ينتسب إلى الإسلام ، حتى لا يكون تبعًا لضلال أو فساد ، وحتى يدرك أن التبعية العمياء لا تنقذه من العذاب إن ضلّ بها، مهما ظنّ لنفسه من أعذار ، وحتى يدرك كلّ من ينتسب إلى الإسلام أن عليه مسؤولية مهما ظنّ في نفسه ضعفًا ، وأنّه محاسب ما دام قد بلغ سن التكليف ، وأنّه لا مفرّ من ذلك مهما خدّرته زينة الحياة الدنيا ، وخدعته أوهامه ، أو خدعه المستكبرون!
لا مفرّ من يوم الحساب فإنه حق . ويوم القيامة لا يغني مولى عن مولى شيئًا ، ويأتي الخلق كلّهم يومئذ يحاسبون فردًا فردًا:
(إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ ، يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ، إِلَّا مَن رَّحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)
[ الدخان: 40-42 ]
وكذلك:
(وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ، ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ، يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ )
[ الانفطار:17-19 ]
وكذلك:
(فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ ، يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ)
[ عبس: 33-37 ]
وكذلك:
(إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ، لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ، وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا)
[ مريم: 93-95 ]