هذه الصورة يجب تثبيتها في النفوس أولًا ، حتى تظلّ تقرع النفوس والقلوب ، وتذكّرها بهول يوم البعث وهول الحساب ، الحقّ اليقيني الذي لا شكّ فيه و لا مراء:
(فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ)
[ الذاريات:23]
وكذلك:
(وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ)
[ يونس: 53 ]
إنّ هذا الحق اليقيني يجعل من كلّ إنسان مكلّف شرعًا مسؤولًا في الدنيا والآخرة ومحاسبًا . فإذا لم تثبت هذه الحقيقة الهامّة الكبيرة ، حقيقة المسؤولية ، إذا لم تثبت في النفس و تستقرّ في القلب ، فيكون جزء هام من الإيمان والتوحيد قد تعطّل ، ويكون قد فقد الإنسان الحافز الهام ، الحافز الإيماني من فطرته التي فطره الله عليها .
والمسؤولية الفرديّة بصورتها الإيمانية الربّانية أساس لا غناء عنه لارتباط المسلم بالمسلم ، ولبناء أخوّة الإيمان التي أمر الله بها ، ولارتباط المسلم بأمّته المسلمة حقّ الارتباط وأصدقه !
وبهذا التصوّر تصبح المسؤوليّة الفرديّة أساسًا لبناء الأمّة المسلمة الواحدة في واقعنا اليوم ، وأساسًا لبناء مسؤولية الأمّة كلّها ومستوياتها المختلفة .
إنّ"التغيير"أمر هام . وقد يكون التغيير للخير وقد يكون للشرّ . والواقع يكشف لنا النماذج من هذه ومن تلك .ولكن اللحظات الحالية من واقع المسلمين يكشف أنّ قوى الفتنة والفساد والشرّ أوسع في الساحة وأبعد أثرًا وأكثر جمعًا للعدة والعدد . والأخطر من ذلك أنهم أكثر بذلًا لضلالهم وفسادهم وفتنتهم ، وأنّهم يُشْعِلون لهيب ذلك في الأرض كلّها .
ثمّ يتساءل الملايين من المسلمين و يقولون أَنَّى هَذَا ؟! ويردُّ عليهم كتاب الله، كما ردَّ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد معركة أُحد:
(قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ... ) !
[ آل عمران: 165 ]
قد يختلف هؤلاء على توزيع الغنائم ، ولكنهم لا يختلفون على نشر الفساد والشرّ والفتنة . وهم كذلك سرعان ما يجدون وسيلة للتفاهم على الغنائم وتوزيعها بينهم ، بدلًا من الصراع بينهم .
ويأتي السؤال الذي يعلنه بعضهم ويخفيه بعضهم: لماذا تحلّ هذه الهزائم بالمسلمين ، وهم على أصحّ دين ؟! ويكاد لا يشعر بعض من يتساءلون بهذا السؤال أنّه هو نفسه أحد أسباب هذه الهزائم ؟!
لماذا تتساقط ديار المسلمين في أيدي أعداء الله ؟! ولماذا ينزل الذلّ والهوان بالمسلمين ؟! ولماذا تمتلئ الأرض من دمائهم وأشلائهم هنا وهناك ، وهم لا يستطيعون دفاعًا عن أنفسهم ؟!
كلّ ما يجري في هذا الكون ، مهما صغر أو كبر ، فإنّه يجري بأمر الله وقضائه وقدره ، وبعلمه وبحكمته . فما أصابنا هو من قضاء الله وقدره !
وقضاء الله حقّ لا ظلم معه أبدًا ، فالله حرّم الظلم على نفسه وجعله بين الناس محرّمًا:
(وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ )
[ غافر: 20 ]
وقال سبحانه وتعالى:
(إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)
[ يونس: 44 ]
إذن لا بدّ من أن ننظر في أنفسنا . فالخلل هناك ، في النفوس ، وما يجول في الصدور . لابدّ من النظر في ذلك . ولا بدّ من الوقفة الإيمانية التي ندعو إليها بشدّة ، بصورة متكررة ، ندعو إليها أنفسنا وندعو كلّ مسلم وكلّ جماعة ، لتراجع المسيرة وتقوّمها ولتدرك أين الخلل والخطأ فتعالجه ، وأين الصواب فتمضي عليه.
ولكن هذه الوقفة الإيمانية تحتاج إلى توافر ميزان حقّ أمين ، توزن به الأمور والأحداث والمواقف والرجال دون أن يعصف الهوى والمصالح بحقيقة هذه الوقفة والمراجعة والتقويم .
ولا يصحّ الميزان بأيدي الناس إلا إذا راجعوا أولًا أنفسهم ، ونظروا في داخلها نظرة محاسبة أولًا ، ثمّ نظرة معالجة وتغيير ، حتى يصبح منهاج الله هو الميزان .
إذا أخذنا الكبر والغرور ، ومضى كلّ منّا على ما هو عليه ، يعيد الخلل والخطأ ويمارسه ، ولا يقرّ بالخطأ ولا يشعر بالخلل ، فإنّ الهزائم تتوالى والفواجع تمتدّ ، والبلاء يشتدّ إما عقابًا وتذكيرًا وإمّا ابتلاءً وتمحيصًا:
(وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ )
[ الأنفال: 25 ]
وكذلك:
(وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ، فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ)
[ الأعراف: 164-165 ]