بشار دراغمة ومحمد جمال 28/3/1427
السابعة صباحًا، حالة استنفار كاملة في المنزل، طفل لا يزال نائمًا، والأب ارتفع صوته مطالبًا زوجته بالإسراع، وتلك الأم تجبر طفلها ابن الأعوام الثلاثة على النهوض من نومه بعدما أمضى ثلثي ليله بصراخ وبكاء بسبب مرضه ليوصلاه إلى حضانته قبل ذهابهما إلى عملهما، تلك هي نماذج من يوميات الزوجة العاملة خارج المنزل في مجتمعنا. فالكثير من المشاكل الأسرية كان سببها عمل الزوجة، وتتراكم تلك المشاكل عندما يكون لدى تلك الزوجة أطفال تضطر لوضعهم في الحضانات، ولدى المربيات بالأجور أو عند الأقارب والجيران مما يؤثر بشكل كبير على تربيتهم وسلوكهم وحتى عاداتهم وتقاليدهم. والكثير من حالات الطلاق حدثت للسبب نفسه، فلا طعام للغداء ينتظر الزوج عند وصوله للبيت؛ لأن الزوجة لم تصل بعد، وربما تتأخر ساعة أو ساعتين عن موعد دوامها الرسمي بسبب ضغط العمل لديها. ويتزامن كل هذا في الوقت الذي يجمع فيه أخصائيو التربية وعلم الاجتماع والنفس والدين على أن عمل الزوجة إذا لم يكن مدروسًا ووفقًا لضوابط معينة والتزام كامل فإنه سيكون حتمًا مدخلًا لمشكلات لا حدود لها.
طلاق بعد شهرين من العمل
فرحت أمل كثيرًا عندما وجدت لنفسها عملًا في إحدى الشركات الكبرى بعد أن قدّمت على مدار ستة أعوام طلبات للتوظيف، لكن دون فائدة، ولم يكن هدفها من العمل سوى مساعدة زوجها في متطلبات الحياة. إلا أن العمل الذي وجدته انقلب نقمة عليها وعلى بيتها وزوجها. وتروي أمل تلك الحكاية بقولها:"فرحت كثيرًا عندما حصلت على هذا العمل، فقد كان الراتب الشهري مغريًا جدًا، لكن ساعات الدوام طويلة جدًا، ولا ينتهي عملي إلا في الثامنة مساء بينما ينهي زوجي عمله في الثانية بعد الظهر".
وتوضح أمل -وهي أم لطفلين اثنين- أنها شعرت بصعوبات كبيرة في أولى أيام العمل، ولم يعد بإمكانها التنسيق بين عملها ومتطلبات بيتها وطفليها وزوجها، فكل يوم تعود وتجد زوجها ملقى على تلك الكنبة ينتظر طعام الغداء الذي لن يتم تجهيزه قبل العاشرة مساء، وبعد تناول الطعام يذهب الاثنان للنوم بعد أن يكون قد أنهكهما التعب. بينما الطفلان محمد وأسامة لا يزالان مستيقظين، ولا أحد يعلم متى سينامان.
وتضيف أمل:"لم أعد أجد فرصة للحديث مع زوجي في شؤون البيت، كما أنني -ومن شدة التعب- لم أعد أرى أبنائي إلا دقائق معدودة، ولم أعد أتحدث معهم مطلقًا، وشعرت أن زوجي بدأ يمل من هذا الوضع، ولاحظت أن حالة من العصبية بقيت مرافقه له، وذلك بسبب وضع الأطفال الذين لم أعد أعرف ماذا يريدون، ولم أعد قادرة على تربيتهم، حتى إنني لم أعد أعرف إذا ما كانوا أصحاء أم مرضى".
أما مراد زوج أمل فإنه يتحدث بمرارة عما كان يحدث معه خلال فترة عمل زوجته. ويقول:"بسبب وضع الأطفال في الحضانة فإنني بت أرى أطفالي يتحدثون بكلمات نابية ولا أخلاقية. لقد دهشت كثيرًا عندما سمعت أحدهم يشتم الآخر بطريقة لا أريد ذكرها، وفي نفس الليلة طلبت من زوجتي أن تترك عملها بشكل فوري، وتتفرغ لشؤون البيت وتربية الأطفال بدلًا من وضعهم في الحضانة إلا أنها أخبرتني بأن عقدها مع الشركة مدته ثلاث سنوات، وأن هناك شرطًا جزائيًا على هذا العقد يشترط دفع مبلغ كبير جدًا إذا تركت العمل قبل انتهاء مدة العقد".
مراد الذي وجد نفسه محاصرًا، وبات يعاني كل يوم من وضع بيته الأسرى لم يقدر على الاستمرار في تلك الحياة، فما كان منه إلا تطليق زوجته بعد شهرين فقط من عملها.
زوجات عاملات ... نجحْن مرّتين
لم يكن عمل الزوجة عائقًا أمام العديد من العائلات في تحقيق النجاح، فتلك الزوجة التي اختارت لنفسها عملًا في إحدى مدارس الإناث كانت موفقة جدًا في عملها، والتنسيق بين العمل وكافة شؤون بيتها. هذا النموذج لخّصته أم عامر من خلال مخطط كامل وضعته بالتنسيق مع زوجها، لكيلا تحدث أي مشاكل في المستقبل بسبب عملها. وفي البداية اتفق الاثنان على أن عمل أم عامر يجب أن يكون في مدرسة للإناث فقط، وينتهي دوامها في وقت مبكر وقبل انتهاء عمل الزوج بثلاث ساعات على الأقل. وتضيف أم عامر:"قرّرنا وضع الأطفال في الحضانة، واخترت حضانة أطفال قريبة جدًا من المدرسة التي أعمل بها، وصباحًا كنت آخذ أطفالي معي، وأضعهم في الحضانة، وأطمئن عليهم، وبين كل حصة وأخرى كنت أذهب لرؤيتهم والحديث معهم مدة دقيقتين لكي أبقى على تواصل معهم". أم عامر حققت نجاحها في عملها، وفي الوقت نفسه فقد نجحت في تربية أطفالها وإدارة شؤون بيتها على أكمل وجه.
الحضانة تقود ابنك للعزلة