فهرس الكتاب

الصفحة 24695 من 27345

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد:

فهذه توجيهات سلوكية في المجال الأخلاقي . فمن ذلك ما أخرجه الحافظ أبو عيسى الترمذي رحمه الله من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال:"جاء شيخ يريد النبي صلى الله عليه وسلم , فأبطأ القوم عنه أن يوسعوا له , فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا" ( [1] ) .

فقد نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم شرف الانضمام والانتماء إلى المجتمع الإسلامي عن أهل الجفاء والقسوة الذين لا يرحمون الصغار ولا يحترمون الكبار , وهذا يعني أن من فعل ذلك قد ارتكب كبيرة لما قد ترتب على تلك المخالفة من براءة النبي صلى الله عليه وسلم ممن فعل ذلك .

وهذا يبين لنا أهمية الاهتمام بالصغار بالرحمة بهم , وبالكبار باحترامهم , وقد جمع بين الصغار في السن والكبار اشتراكهما في عامل الضعف , وأن كلا من الفريقين بحاجة إلى الراشدين في المجتمع الذين لم يبلغوا سن الشيخوخة .

وقد نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة الله جل وعلا عن الذين لا يرحمون الناس , كما أخرج الحافظ أبو عبد الله البخاري رحمه الله من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من لا يَرحم لا يُرحم" ( [2] ) .

وفي رواية أبي عيسى الترمذي رحمه الله توضيح لهذه الرواية حيث جاء فيها"من لا يرحم الناس لا يرحمه الله" ( [3] ) , وهذا بيان لفضيلة خلق الرحمة وأهميته في الإسلام , حيث رتب صلى الله عليه وسلم رحمة الله جل وعلا بالعباد على رحمتهم بالناس .

والرحمة خلق جليل يترتب عليه المعروف والإحسان والعدل , واجتناب الظلم وكف الأذى, فصاحب القلب الرحيم مجبول على فعل الخير واجتناب الشر .

وفي بيان جزاء الرحمة أخرج الشيخان رحمهما الله من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات , فأعطت كل واحدة منهما تمرة , ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها , فاستطعمتها ابنتاها , فشقَّت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما, فأعجبني شأنها فذكرت الذي صنعتْ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"إن الله قد أوجب لها الجنة - أو قال- أعتقها من النار" ( [4] ) .

ففي هذا الحديث إشادة من النبي صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة التي رحمت ابنتيها فآثرتهما على نفسها , فهل كانت تلك المرأة تتصور أنها بتنازلها عن تمرة واحدة ستدخل الجنة ؟ فما أهون الثمن وما أبلغ الجزاء!!

وأخرج الحافظ أبو عيسى الترمذي رحمه الله وحسَّنه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:"صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع فقال: يا معشر من آمن بلسانه ولم يُفْضِ الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تعيِّروهم ولا تتَّبعوا عوراتهم , فإنه من تتبَّع عورة أخيه المسلم تتبَّع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله".

قال: ونظر ابن عمر يوما إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك ( [5] ) .

فهذا الحديث يعالج أنواعا من السلوك السيء في معاملة المسلمين , وقد قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم للتحذير منها بمقدمة بليغة , حيث صعد المنبر ونادى بصوت رفيع , وحكم على من وقع في ذلك السلوك المنحرف بأنهم ممن لم يصل الإيمان إلى قلوبهم , والمراد بهذا الإيمان المنفي الإيمان المؤثر في السلوك , حيث لم يكن هناك إيمان حي مؤثر يردع أولئك عن ذلك السلوك المنحرف .

وقد حدد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك السلوك المنحرف بأذية المسلمين , وذكر نوعين من هذه الأذية , هما تعيير المسلمين وتتبع عوراتهم , فأما تعيير المسلمين فإن من ذلك وصفهم بالأشياء التي تُعدُّ منقصة لهم كالتنابز بالألقاب , وذلك فيما إذا كان للإنسان لقب يَستاء منه فإنه لا يجوز للمسلم أن يناديه به , أو كان قد اشتهرت قبيلته أو أهل بلده بوصف يُعدُّ منقصة , فلا يجوز أن يعيَّر بذلك , وكذلك ما إذا كان به عاهة أو قد ابتُلي بفقر أو كان منصبه صغيرا , فلا يجوز لأخيه المسلم أن يعيره بذلك .

وأما تتبُّع عورات المسلمين فإنه يكون بالبحث والتنقيب عن عيوب المسلمين وما خفي من أمورهم مما يسوءهم علم الناس به .

وقد جاء في هذا الحديث الوعيد الشديد لمن فعل ذلك بأن الله تعالى يفضحه ويكشف سوءاته للعباد ولو كان في أخفى مكان عن الأنظار .

وأخرج الحافظ أبو داود السجستاني رحمه الله من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من رأى عورة فسترها كان كمن أحيى موءودة" ( [6] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت