فهرس الكتاب

الصفحة 4131 من 27345

الإسلام وخط الفقر دفاع أم مواجهة

د. ياسر عبد الكريم الحوراني * 14/11/1425

لا يكاد يوم يمر في حياة الإنسانية إلا وهناك تكاليف باهضة يدفعها الإنسان بنفسه طوعا أو كرها ، ولعل أهم هذه التكاليف تلك الويلات التي يشهدها العالم من المجاعات والأمراض الفتاكة والتخلف والجهل وسيطرة الأقوى وحرمان الضعيف . كل ذلك لا يخرج عن معنى الفقر الذي يلازم حياة الإنسان ويهدد أمنه وحريته وحقه في الحياة الكريمة .

فما موقف الإسلام من الفقر: فلسفته والموقف الفقهي وأسبابه وآثاره ووسائل وأدوات المواجهة.

أما فلسفة الفقر في الإسلام فكل إنسان فقير لأنه محتاج ، ولا تنفك حاجته عن الله تعالى لأن الله هو الغني المطلق ، والناس جميعا من هذا الوجه فقراء إلى الله تعالى ، وفي القرآن: يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله ( فاطر / 15 ) ، والله الغني وأنتم الفقراء ( محمد / 38 ) .

وأما الموقف الفقهي فهناك ثلاثة اتجاهات في تحديد مستوى الفقر ، وهي: نصاب الزكاة أي يقع الفقر دون النصاب وهو ما يعادل 200 درهم فضة ، أي ما يقارب 475 ريال سعودي ( الحنفية ) ، أو هو أقل من دخل نقدي يعادل 50 درهما ، أي ما يقارب 119 ريال سعودي ( الحنابلة ) ، أو هو مستوى الكفاية أي ما يلزم الإنسان من الحاجات الأساسية ( المالكية والشافعية والحنابلة في رواية أخرى ) . وواضح أن الاتجاه الثالث أقرب إلى المفهوم الاقتصادي العام لأنه يراعي الاحتياجات الأساسية ضمن سلة اقتصادية متنوعة وشاملة للعناصر الأساسية التي لا تقوم حياة الإنسان إلا بها ، ويمكن احتسابه وفقا لمعطيات الرقم القياسي لتكاليف المعيشة ( مؤشر الأسعار ) . ومن هنا فالفقر هو فجوة معيشية بين الحاجات الأساسية وبين مستوى الكفاية . وفي إطار الموقف الفقهي ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بأفضلية الغنى خلافا لما ذهب إليه المتصوفة بأن الفقر أفضل من الغنى . إن موقف الصوفية في هذه المسألة يكشف عن قصور كبير في فهم الأصول الكلية والأهداف العليا التي وضعها الإسلام لتحقيق سعادة الإنسان ورفاهية المجتمع . يدور احتجاج الصوفية الدفاعي عن الفقر حول الآية القرآنية:"للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا" ( الحشر / 8 ) ، فقالوا مدافعين عن الفقر في هذه الآية أنها قدمت الفقر على الهجرة للدلالة على أهميته وفضله إضافة إلى كونه جاء في سياق المدح والثناء . إن وجه القصور في هذه المدافعة واضح من نص الآية نفسها ، فهي تدل على أفضلية الغنى لأن الله زكى صنيع المهاجرين ووصفهم بأنهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا ، وهذا يعني ضرورة وحتمية الخروج من الفقر .

وفيما يتعلق بأسباب الفقر فإن هناك مجموعة كبيرة من الأسباب التي تؤثر في مشكلة الفقر ؛ وهي أسباب ذاتية كالاحتكار والاكتناز والربا ، وأسباب موضوعية كالقرار الاستثماري الموجه نحو الربح السريع والعائد المادي دون النظر إلى العائد الاجتماعي إضافة إلى سوء استخدام الموارد الاقتصادية والإنفاق العام الذي لا يراعي المنفعة الاجتماعية ، وأسباب خارجية تتعلق باقتصاد العولمة وما يحدثه من أزمات على مستوى الاقتصادات الوطنية ، كما أن هناك محددات وعوامل أخرى تؤثر في ازدياد المشكلة واستفحال خطرها مثل البطالة والتضخم بسبب ما تحدثه من انخفاض في الأجور الحقيقية وخسارة المقرضين وانخفاض الدخول وبالتالي ارتفاع تكاليف المعيشة. ومن هنا ينشأ عن الفقر العديد من الآثار الاقتصادية التي تهدد بنية واستقرار المجتمع ، أهمها التبعية الاقتصادية للدول الكبرى من خلال الديون الخارجية وفرض الشروط مقابل استيراد التكنولوجيا وتوجيه موارد الدول الفقيرة لإنتاج السلع اللازمة لإشباع الذوق الاستهلاكي للحصول على العملة الصعبة ، إضافة إلى آثار أخرى على مستوى الدولة الفقيرة كالصراع الاقتصادي الطبقي وتخلف الحالة الاجتماعية من الناحية الفكرية والسياسية والعسكرية وجميع علاقات المجتمع بوجه عام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت