دخل عليّ أمس بعدما انصرف كتّاب المحكمة ولبست معطفي رجل كبير في السن يسحب رجليه سحبًا لا يستطيع أن يمشي من الضعف والكبر. فسلّم ووقف مستندًا إلى المكتب وقال:
إني داخل على الله ثم عليك أريد أن تسمع قصتي وتحكم لي على من ظلمني.
قلت: تفضل، قل أسمع.
قال: على أن تأذن لي أن أقعد فوالله ما أطيق الوقوف.
قلت: اقعد وهل منعك أحد من أن تقعد؟ اقعد يا أخي فإن الحكومة ما وضعت في دواوينها هذه الكراسي وهذه الأرائك الفخمة إلا ليستريح عليها أمثالك من المراجعين الذين لا يستطيعون الوقوف. ما وضعتها لتجعل من الديوان (قهوة) يؤمها الفارغون ليشتغل الموظف بحديثهم عن أصحاب المعاملات ويضاحكهم ويساقيهم الشاي والمرطبات والناس قيام ينتظرون لفتة أو نظرة من الـ (بك) !
لا. لسنا نريدها (فارسية) كسروية في المحكمة الشرعية فاقعد مستريحا فإنه كرسي الدولة ليس كرسي أبي ولا جدي، وقل ما تريد.
قال: أحب أن أقص القصة من أولها فأرجو أن يسعني صبرك ولا يضيق بي صدرك وأنا رجل لا أحسن الكلام من أيام شبابي فكيف بي الآن وقد بلغت هذه السن ونزلت علي المصائب وركبتني الأمراض ولكني أحسن الصدق ولا أقول إلا حقًا.
كنت في شبابي رجلًا مستورًا أغدو من بيتي في حارة (كذا) على دكاني التي أبيع فيها الفجل والباذنجان والعنب وما يكون من (خُضر) الموسم وثمراته فأربح قروشًا معدودات أشتري بها خبزي ولحمي وآخذ ما فضل عندي من الخُضر فيطبخه (أهل البيت) ونأكله وننام حامدين ربنا على نعائمه لا نحمل همًا ولا نفكر في غد ولا صلة لنا بالناس ولا بالحكومة ولا نطالب أحدًا بشيء ولا يطلب منا شيئًا ولم أكن متعلمًا ولا قعدت في مدرسة ولكني كنت أعرف كيف أصلي فرضي وأحسب دراهمي... ولقد عشت هذا العمر كله ولم أغش ولم أسرق ولم أربح إلا الربح الحلال وما كان ينغّص حياتي إلا أنه ليس لي ولد فجرّبنا الوسائل وسألنا القابلات ولم يكن في حارتنا طبيب ولم نحتج إليه فقد كان لنا في طب (برو العطار) وزهوراته وحشائشه ما يغنينا عن الطبيب والصيدلي. وإذا احتجنا إلى خلع ضرس فعندنا الحلاق أما أمراض النساء فمردّ أمرها إلى القابلة ورحم الله أم عبد النافع قابلة الحارة فقد لبثت أربعين سنة تولّد الحاملات ولم تكن تقرأ ولا تكتب.
أقول إنّا سألنا القابلات والعجائز فوصفن لنا الوصفات فاتخذناها وقصدنا المشايخ فكتبوا لنا التمائم فعلقناها فلم نستفد شيئا، فلم يبق إلا أن ننظر أول جمعة في رجب لنقصد (جامع الحنابلة) فلما جاءت بعثت (أهل البيت) فقرعت حلقة الباب وطلبت حاجتها فنالت طلبها- خرافة دمشقية وثنية من آمن لها أو بأمثالها من الخرزة الزرقاء لرد العين والسحر والشعوذات واعتقد أن لغير الله نفعًا أو ضررًا فيما وراء الأسباب الظاهر فقد خالف الإسلام - فنالت طلبها وحملت.
وصرت أقوم عنها بالثقيل من أعمال المنزل لأريحها خشية أن تسقط حملها وأجرمها وأدللها وصرنا نعدّ الأيام والساعات حتى كانت ليلة المخاض فسهرت الليل كله أرقب الوليد فلما انبلج الفجر سمعت الضجة وقالت (أم عبد النافع) : البشارة يا أبا إبراهيم! جاء الصبي.
ولم أكن أملك إلا ريالًا مجيديًا واحدًا فدفعته إليها.
وقلّبنا الصبي في فرش الدلال، إن ضحك ضحكت لنا الحياة وإن بكى تزلزلت لبكائه الدار وإن مرض اسودّت أيامنا وتنغّص عيشنا وكلما نما أصبعًا كان لنا عيد وكلما نطق بكلمة جدّت لنا الفرحة وصار إن طلب شيئًا بذلنا في إجابة مطلبه الروح... وبلغ سن المدرسة فقالت أمه: إن الولد قد كبر فماذا نصنع به.
قلت: آخذه إلى دكاني فيتسلى ويتعلم الصنعة.
قالت: أيكون خضريًا.
قلت: ولم لا؟ أيترفع عن مهنة أبيه.
قالت: لا والله العظيم! لابد أن ندخله المدرسة مثل عصمة ابن جارنا سموحي بك. أريد أن يصير (مأمورًا) في الحكومة فيلبس (البدلة) والطربوش مثل الأفندية.
وأصرّت إصرارًا عجيبًا فسايرتها وأدخلته المدرسة وصرت أقطع عن فمي وأقدم له ثمن كتبه فكان الأول في صفه فأحبه معلموه وقدروه وقدّموه.
ونجح في الامتحان ونال الشهادة الابتدائية فقلت لها: يا امرأة! لقد نال إبراهيم الشهادة فحسبنا ذلك وحسبه ليدخل الدكان.
قالت: يوهْ! ويلي على الدكان... أضيّع مستقبله ودراسته؟! لابد من إدخاله المدرسة الثانوية.
قلت: يا امرأة من علّمك هذه الكلمات؟ ما مستقبله ودراسته؟ أيترفع عن مهنة أبيه وجده؟ قالت: أما سمعت جارتنا أم عصمة كيف تريد أن تحافظ على مستقبل ابنها ودراسته؟ قلت: يا امرأة اتركي البكوات… نحن جماعة عوام مستورون بالبركة فما لنا وتقليد من ليسوا أمثالنا.
فولولت وصاحت. ودخل الولد الثانوية وازدادت التكاليف فكنت أقدمها راضيًا... ونال البكالوريا.
قلت: وهل بقي شيء.
قال الولد: نعم يا بابا. أريد أن أذهب إلى أوربا.
قلت: أوربا؟ وما أوربا هذه.
قال: إلى باريس.
قلت: أعوذ بالله تذهب إلى بلاد الكفار والله العظيم إن هذا لا يكون.