فهرس الكتاب

الصفحة 25729 من 27345

د. محمد عمر دولة*

لقد طَبَعَ الله عزَّ وجلَّ الإنسانَ على حُبِّ المالِ، وجَعلَه من زينةِ الدنيا، كما قال عزَّ وجَلَّ: (المالُ والبَنُون زِينةُ الحياةِ الدنيا) ، [1] وقال تعالى مُبيِّنًا حِرْصَ الإنسانِ على المالِ: (إنَّ الإنسانَ لربِّه لكنودٌ وإنه على ذلك لشهيدٌ وإنه لِحُبِّ الخيرِ لَشَدِيدٌ) . [2] وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (قَلبُ ابنِ آدم شابٌّ على حُبِّ اثنَتَيْن: طُولُ العُمرِ والمال) . [3]

وللهِ ما أحسنَ تعبيرَ النبي صلى الله عليه وسلم عن ارتِباطِ صَلاحِ المالِ بِصَلاحِ العَبدِ، كما رواه عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (يا عمرو! نِعْمَ المالُ الصالِحُ مع الرجل الصالِحِ) . [4]

فلا تعارُضَ بين صلاحِ العبدِ وتقواه وبين غِناه عن الناسِ؛ إذْ لا يلزَمُ أن يكونَ العابدُ التقيُّ فقيرًا مُحتاجًا إلى غيرِه؛ فقد كان عثمانُ وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما مِن أغْنَى الصحابةِ ومِن المبشَّرِين بالجنة! ورَحِمَ الله القرطبي حيث قال:"لا يُنكَرُ أن يكونَ لِلوليِّ مالٌ وضَيعةٌ يَصُونُ بها مالَه وعِيالَه؛ وحَسبُك بالصحابة وأموالِهم مع ولايتِهم وفَضلِهم وهم الحجةُ على غيرِهم، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بينما رجلٌ بِفَلاةٍ مِن الأرضِ فسمعَ صَوتًا في سَحابةٍ: اسْقِ حديقةَ فلانٍ! فتنحَّى ذلك السحابُ، فأفرغَ ماءه في حَرة؛ فإذا شَرْجةٌ [5] مِن تلك الشِّراج قد استوعبَتْ ذلك الماءَ كلَّه، فتتبع الماءَ فإذا رجلٌ قائمٌ في حديقتِه يُحَوِّلُ الماءَ بِمِسْحاتِه، فقال: يا عبدَ الله ما اسْمُك؟ قال: فلان: الاسم الذي سمعه في السحابة، فقال له: يا عبدَ الله لم سألتَنِي عن اسمي؟ قال: إني سمعتُ صوتًا في السحابِ الذي هذا ماؤه يقول: اسْقِ حديقةَ فلان: لاسمك فما تصنع فيها؟ قال: أما إذْ قلتَ هذا؛ فإني أنظرُ إلى ما يَخرُجُ منها فأتصدَّقُ بِثُلُثِه وآكلُ أنا وعِيالي ثلثه وأردُّ فيها ثلثه وفي رواية وأجعل ثلثه في المساكين وابن السبيل) ". [6]

وما أحْسَنَ المالَ الصالِحَ.. الذي يتصدقُ منه صاحبُه على المحتاجين ويرحم به الفقراء، وينفّسُ به كُرباتِ المساكين؛ ولقد أدركَ الصحابة رضي الله عنهم هذا المعنَى؛ فقال فُقَراؤهم: (فازَ أهلُ الدُّثُورِ بالأُجُور) ! [7] لأنهم استعانوا بِمالِهم على زيادةِ طاعاتِهم!

فلا خيرَ في الفَقرِ المدقِع؛ وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله مِن فِتنةِ الغِنَى والفقرِ، وصَدقَ يحيى بن أكثم حيث قال:

إذا قلَّ مالُ المرءِ قلَّ بَهاؤه *** وضاقتْ عليه أرضُه وسَماؤه

وأصبحَ لا يدري وإنْ كان حازمًا *** أقدامه خيرٌ له أم وراؤه؟

ولم يمضِ في وجهٍ من الأرضِ واسعٍ * من الناس إلا ضاق عنه فضاؤه!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت