فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فالهدايةُ مِن رحمةِ الله بالصالِحِين، والخذلانُ مِن عَدْلِ الله بالظالِمِين الذين استَحَبُّوا العَمَى على الهدى، كما قال ابن كثير رحمه الله في تفسيرِ قولِ الله تعالى: (وماذا عليهم لو آمَنُوا بالله واليومِ الآخِرِ وأنفَقُوا مما رَزَقَهم الله وكان الله بهم عَلِيما) :"أي: وهو عَلِيمٌ بِنِياتِهم الصالحةِ والفاسِدةِ، وعَلِيمٌ بمن يَستَحِقُّ التوفِيقَ منهم؛ فيُوَفِّقُه ويُلْهِمُه رُشْدَه ويُقَيِّضُه لِعَملٍ صالِحٍ يَرضَى به عنه؛ وبِمَن يستحقُّ الخذلانَ والطَّردَ عن جَنابِه الأعْظمِ الإلهي الذي مَن طُرِدَ عن بابِه؛ فقد خابَ وخَسِرَ في الدنيا والآخِرةِ عِياذًا بالله من ذلك". [4]
وإننا لنذكر قصة أبي طالب، فنتعجب من عدم إيمانه؛ مع نصرته لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولكننا حينما نُحاكِم عَواطفَنا بميزانِ الشرع، ونتأملُ هذه المحبة؛ نجدُها مَحبةً ناقِصةً؛ لأنها تفتقِرُ إلى الموافَقَةِ والإجابةِ وصِدقِ المتابعة! فشتان بين حبِّ أبي طالب للنبي صلى الله عليه وسلم وحب الصحابة الكرامِ رضي الله عنه.
ولو تدبَّرنا سِرَّ نُصرةِ أبي طالب للرسول صلى الله عليه وسلم لألفيناها عَصَبيةً وحَمِيةً ودِفاعًا عن ابنِ أخيه؛ وليست نُصرةً مؤسسةً على اعتقادٍ في الدِّين ولا اقتِناعٍ بفكرةٍ ولا اعتِناقٍ لقضيةٍ! ولذلك فقد قدَّمَ دينَ أجداده وعقيدتَه وفكرَه على دِين رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وفِكرِه وعقيدتِه! فما كان يدافع عن نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم باعتبارِه صاحِبَ رسالةٍ؛ ولكنه كان يدافع عن ابن أخيه فحسب؛ ولو كانت نُصْرَةً صادقةً رشيدةً واعيةً؛ لكان أولَ من يتبعه على ما يقول ولكان مثل حمزة والعباس وعلي رضي الله عنهم! ولذلك حينما قال العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: (ما أغنيتَ عن عمِّك؛ فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: هو في ضَحْضاحٍ من نارٍ؛ ولولا أنا لكان في الدركِ الأسفلِ من النار) ! [5]
ورحم الله ابن حبان فقد أشار إلى هذه المعاني المهمة في التفرقة بين هداية البيان وهداية التوفيق، حين ترجم لقصة امتناعِ أبي طالب عن إجابة النبي صلى الله عليه وسلم بـ (ذكر ما يجب على المرءِ مِن الاقتصارِ على حَمدِ الله جلَّ وعَلا بما مَنَّ عليه من الهداية، وترك التكلفِ في سؤال تلك الحالةِ لِمَن خُذِلَ وحُرِمَ التوفيق والرشاد) ، وروى عن سعيد بن المسيب قال: (لما حضر أبا طالب الوفاة جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عم قل(لا إله إلا الله) ؛ أشهد لك بها عند الله، قال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملةِ عبد المطلب؟ قال: فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويُعِيد له تلك المقالةَ؛ حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم هو على ملةِ عبد المطلب، وأبى أن يقول (لا إله إلا الله) ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأستغفرنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك! فأنزل الله (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) ، وأنزلت في أبي طالب (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين) "."
[1] جامع البيان 3/187.
[2] شفاء العليل ص52-53. نقلا عن بدائع التفسير 1/108 جمع يسري السيد.
[3] جامع البيان للطبري 15/213.
[4] تفسير القرآن العظيم 1/498.
[5] رواه البخاري 3/1408، ومسلم 1/194-195.