فهرس الكتاب

الصفحة 8754 من 27345

يتناول الدرس مفهوم العزلة والأسباب التي تؤدي إلى هذه العزلة، ثم أثر هذه العزلة على الشخص وعلى العمل الإسلامي، وكيف يمكن التغلب على أسباب العزلة وماهو طريق الخلاص والوقاية من العزلة .

معنى العزلة:

لغة:

الابتعاد أو التنحي جانبًا، قال صاحب لسان العرب: 'عزل الشيء يعزله عزلًا، وعزله فاعتزل وانعزل، وتعزّل: نحّاه جانبًا، فتنحّى، وقوله تعالى: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [212] { [سورة الشعراء] معناه: أنهم لما رموا بالنجوم - كما في قوله تعالى: } وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا [9] [سورة الجن] - منعوا من السمع ' .

اصطلاحا: وفي اصطلاح الدعاة يراد بها: إيثار حياة التفرد على حياة الجماعة، وذلك بأن يكتفي العامل بإقامة الإسلام في نفسه، غير مبال بالآخرين، وبما هم فيه من ضياع وهلكة، أو أن يقيم الإسلام في نفسه، ويسعى جاهدًا لإقامته في الناس، ولكن بجهود فردية، بعيدة عن التعاون والتآزر من بقية العاملين في الميدان.

أسباب العزلة:

1-الوقوف عند بعض النصوص الشرعية المرغبة في العزلة، مع الغفلة عن موقعها من النصوص الأخرى الداعية إلى حياة الجماعة: فقد جاءت بعض النصوص الشرعية مادحة للعزلة، ومرغبة فيها، كقوله صلى الله عليه وسلم: [يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتَّبِعُ بِهَا شَغَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ] رواه البخاري وأبوداود وابن ماجه والنسائي وأحمد ومالك .

وكإجابته للذي قَاَلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِه] قَالُوا ثُمَّ مَنْ قَالَ: [ مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنْ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللَّهَ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ ] رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبوداود وابن ماجه والنسائي وأحمد. وكقوله في حديث حذيفة بن اليمان: [ فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ"رواه البخاري ومسلم وابن ماجه. وكقوله: [ مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُمْ رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ فَزْعَةً طَارَ عَلَيْهِ يَبْتَغِي الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ مَظَانَّهُ أَوْ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ فِي رَأْسِ شَعَفَةٍ مِنْ هَذِهِ الشَّعَفِ أَوْ بَطْنِ وَادٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْدِيَةِ يُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ إِلَّا فِي خَيْر ٍ] رواه مسلم وابن ماجه وأحمد.

وكذلك جاءت بعض النصوص الشرعية الأخرى داعية إلى السير تحت لواء الجماعة، والعيش في كنفها، كقوله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [2] "سورة المائدة".

2-الوقوف عند ظاهرة العزلة التي أثرت عن بعض السلف مع الغفلة عن الظروف التي دعت إلى ذلك: وقد يكون الحامل على العزلة ما أثر عن بعض السلف: أنهم آثروا العزلة على مخالطة الجماعة، ومعايشتها، فها هو نبي الله إبراهيم عليه السلام يقول لقومه: وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [48] [سورة مريم] وقد كان الحامل له على ذلك:استنفاذ وسائل التغيير والإصلاح، ثم إصرار قومه على الكفر الألدّ الذي خشي معه الفتنة في الدين، ففر منهم، واعتزلهم.

وها هو أبو ذر وابن عمر، ومعهما جمع من الصحابة يعتزلون المسلمين، ويعيشون وحدهم لمّا وقعت الفتنة، وقد كان الباعث لهم على ذلك، صيانة أيديهم أن تغمس في دماء زاكية، طهّرها الله عز وجل، ولا يعرفون من المصيب، ومن غير المصيب.

وهذا هو الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، يقضي أخريات حياته في عزلة بعيدًا عن الناس، وقد كان عذره تجنب مصادمة السلطات؛ حقنًا لدماء المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت