فهرس الكتاب

الصفحة 8755 من 27345

وإن الذي يقرأ عن هذه العزلة، التي عاشها هؤلاء، وينسى ظروفها وملابساتها؛ يتولد في نفسه معنى الاقتداء، أو على الأقل المحاكاة والتشبه، فيلجأ إلى حياة العزلة، بعيدًا عن جو الجماعة، حتى وإن لم يكن لهذه العزلة ما يبررها ويدعو إليها.

3-الظن أن حياة الجماعة تلغي ذاتية المنتمى إليها، وتؤثر على شخصيته مع الغفلة عن منهج الإسلام في التوفيق بين الفردية والجماعية: إذ يقوم هذا المنهج على دعوة الفرد إلى أن يعيش في كنف الجماعة، ويستظل بظلّها، في الوقت الذي يؤكد فيه أنه مسئول مسئولية كاملة عن كل تصرف يقع منه، فيقول له:وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [18] { [سورة فاطر] .} كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [38] { [سورة المدثر] } يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا [48] { [سورة البقرة] } بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ [14] وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ [15] وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى [18] [سورة فاطر] وأن عليه أن يبذل النصيحة بشروطها وآدابها لكل واحد في الجماعة مهما علا كعبه، ومهما عظمت مكانته، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ قَالُوا لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لِلَّهِ وَكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ وَأَئِمَّةِ الْمُؤْمِنِينَ وَعَامَّتِهِمْ ] رواه مسلم والترمذي وأبوداود والنسائي والدارمي وأحمد. وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ يَكُفُّ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِه]رواه أبوداود والترمذي . ولقد عاش الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وعاش المسلمون بعضهم مع بعض، فما رأينا فردًا ذابت شخصيته، أو تلاشت فرديته في الجماعة، وإنما رأينا النصيحة والشورى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبهذه الدعوة ينشأ في نفس المسلم كيان داخلي متميز، واضح المعالم والحدود، وتبقى أعصابه منتبهة لكل ما يمسه، ولو من بعيد .. إن هذا الظن، وهذه الغفلة، ينتهيان بالعامل لا محالة إلى أن يلجأ إلى العزلة، فيصاب بآفة من أخطر الآفات.

4-الغفلة عن طبيعة تكاليف مخالطة الجماعة، والعيش بين الناس: فطبيعة هذه التكاليف: أنها كثيرة، ضخمة، تستوعب حياة الإنسان من أول يوم إلى آخر يوم، وقد لا تنتهي، وغالبًا ما تكون على خلاف ما تهوى الأنفس، ومالم يكن العامل منتبهًا لذلك، فإنّه يهمل نفسه من التزكية، والتربية، والمجاهدة، وتسيطر عليه الأهواء والشهوات، وبمرور الأيام يضعف ويعجز عن القيام بهذه التكاليف، وحينئذ يبحث عن مخرج أو ملجأ، فلا يجد سوى العزلة أوالتفرد.

5-التذرع بأن مخالطة الناس تشغل عن التفرغ للعبادة، مع الغفلة عن المفهوم الصحيح للعبادة: إذ المفهوم الصحيح للعبادة- كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- إنها:' اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال، الظاهرة والباطنة، فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج عبادة. والدعاء، والاستغفار، والذكر، وتلاوة القرآن عبادة. وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام عبادة. والوفاء بالعهود عبادة، والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين عبادة. والإحسان للجار، واليتيم، والمسكين، وابن السبيل، والخادم، والرحمة بالضعيف، والرفق بالحيوان عبادة. وكذلك حبّ الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء في رحمته، والخوف من عذابه وأمثال ذلك كله عبادة'.والقرآن الكريم، والسنة النبوية يصدقان هذا المفهوم الذي قاله شيخ الإسلام.

على أن مخالطة الناس لا تمنع أن تكون للمسلم أوقات يخلو فيها بنفسه ليؤدي واجبًا، أو يتقرب إلى الله بنفل، أو يحفظ علمًا، أو يحقق مسألة، أو يتلو قرآنًا، أو يذكر ويتفكر، أو يحاسب نفسه، وذلك هو معنى قول عمر بن الخطاب رضى الله عنه: 'خذوا حظكم من العزلة '. إن غياب المفهوم الصحيح للعبادة عن بال المسلم العامل، وحصره العبادة في دائرة الشعائر التعبدية، متوهمًا أن حياة الجماعة تحول بينه وببن التفرغ الكامل لأداء هذه الشعائر، كل هذا يوقعه لا محالة، في آفة العزلة أو التفرد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت