فهرس الكتاب

الصفحة 26811 من 27345

بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي

إننا نقدّم هذه السلسلة من كتب الدعوة ودراستها، نصحاً خالصاً لوجه الله، نصحاً لكلّ مسلم، ولكلّ أسرة، ولكل حركة إسلامية، وللمسلمين بعامة، ولكل من يريد أن يبحث عن سبيل ينجو به عند الله من فتنة الدنيا ومن عذاب الآخرة، إذا صدقت النيّة وصحَّت العزيمة.

لقد أصبح جليّاً أنّ واقع المسلمين يتعرّض إلى خطر حقيقي لا وَهْمَ فيه ولا خيال. ولقد أصبح واضحاً أن جهود قرن كامل أو أكثر لم تستَطِع أن تدفع الكوارث والفواجع والهزائم عن المسلمين.

ولقد نصحنا قبل اليوم، قبل عشرات السنين، نصحاً خالصاً لله، ونبّهنا إلى الخطر المقبل بوضوح، وعرضنا كلّ ما نستطيع بيانه مع الأدلّة والبينة والحجة، من منهاج الله ومن الواقع الذي يُدرَس من خلال منهاج الله. ولو أنّنا نستطيع أن نسترجع ذلك، لرأينا أن النُذُرَ كانت واضحة قويّة، وأن القوارع كانت مدويّة، وأن النصيحة كانت بالغة. ولكن الله يقضي ما يشاء، وقضاؤه الحق، وقدره غالب، وحكمته بالغة، وكتاب الله بيّن حجّة عليْنا جميعاً.

ولابد أن نذكر أنفسنا بحقائق أساسيّة يُبْنى عليها الفكر والتصوّر:

أولاً: إن الله يقضي بالحق، وإنه لا يظلم أبداً.

ثانياً: إن كل ما يجري من أمر صغير أو كبير، فإنه يتمّ بأمر الله وقضائه الحقِّ، وقدرِه الغالب، وحكمتِه البالغة.

ثالثاً: على أساس من ذلك، فما أصابنا من هوان وقوارع وهزائم هو بما كسبت أيدينا. فنحن ظلمنا أنفسنا لم يظلمنا الله أبداً:

( إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون )

[ يونس: 44 ]

رابعاً: إنَّ أول واجب بعد ذلك هو الوقفة الإيمانية، لنراجع بها مسيرتنا، وندرس أخطاءنا، على أن يكون ذلك من خلال منهاج الله قرآناً وسنّة ولغة عربيّة.

خامساً: إن أول نتائج الوقفة الإيمانية على أساس من منهاج الله، هو أن التقصير عام ، والخطأ شامل، والتوبة النصوح واجبة على كل من يريد النجاة، أو يطلب النصر من عند الله، أو يبغي صلاح الحال.

سادساً: أن يَتْبَع التوبةَ النصوحَ وضعُ نهج عام وخُطَّة شاملة، ينبع ذلك من منهاج الله ويُلَبِّي حاجة الواقع، ويعالج أهم مشكلاته، ليكون أساس لقاء المؤمنين المتقين العاملين، على طريق بناء الأمّة المسلمة الواحدة، ومعالجة ما نعانيه من خلل وتقصير وأَمراض.

من خلال هذا التصور، ومن خلال هذه الوقفة، كانت هذه الدراسات التي تقدّم نهجاً ينمو ويتكامل ويتناسق مع الممارسة والمتابعة. فهي خلاصة تجربتي في الحياة، وتجربتي في الدعوة الإسلامية، خلال فترة قرابة خمسين عاماً، تحمل من المعاناة والابتلاء ما حملته، وتحمل من فضل الله ورحمته، وإنّ فضل الله عظيم ورحمته واسعة. فإن أصبتُ في شيء فالفضل كله لله وحده، وإِن أخطأت فهو مني ومن الشيْطان، أسأل الله التوبة والمغفرة.

وهذا النهج وهذه الدراسات ليست مجرّد أفكار نظرية، أو آراء متناثرة. إنه أولاً: نهج مترابط يقوم على نظرية عامة تربط جميع أجزاء النهج. وثانياً: إنه نهج يحمل معه المناهج التطبيقية بتفصيلاتها ونماذجها العملية، كما يحمل الدراسات لكل بند من بنوده وعنصر من عناصره، ويحمل نماذج من دراسات عن القضايا الفكرية في الواقع وعن أحداثه، ليردّ ذلك كله إلى منهاج الله، وليقدِّم فقه هذه القضيّة أو تلك، فقهاً قائماً على منهاج الله وعلى وعي القضيّة من خلال منهاج الله. ويدخل في ذلك الأدب الملتزم بالإسلام و"النصح الأدبي"الملتزم بالإسلام، النصح الذي يسمّى عادة"بالنقد الأدبي". ويدخل في ذلك دراسة أهم مذاهب الأدب في الغرب والردّ عليها من خلال الكتاب والسنة. ويدخل في ذلك الشعر في دواوينه وملاحمه، ليكون صورة تطبيقية للدور الذي نفهمه من الكتاب والسنة للشعر في ميدان الحياة. ويدخل في ذلك أهم قضايا العالم الإِسلامي الفكريّة وأهمَّ أحداثه. إنه نهجٌ يطبَّق في واقع الحياة، وتُرْصَد نتائج تطبيقه على أسس إيمانيّة، وعلى قدر ما تسمح به الإمكانات والظروف والأحوال.

وبالرغم من ضيق الإمكانات إِلا أن النتائج كانت مطمئِنة. فقد كشف هذا النهج أثناء التطبيق أهم مشكلات واقعنا اليوم، وأهم وسائل علاجها. وكشف الضعيف ليبقى في مرحلة العلاج، والقويَّ ليَتقدَّم، والمُنَافِق ليَنْزَاح. ومن أهم ما حقَّقه هو تغيير حقيقي لما بالنفس، وتغيير لما في الفكر، وكذلك الموقف والسُّلوك، فيما دقَّ وجلّ. ولكن التغيير مستمرّ مدى الحياة حتى يلقى المسلم ربه، وذلك بفضل من الله وحده، يهدي من يشاء ويُضلُّ من يشاء.

لقد رسم النهجُ الطريقَ لمن يريد أن يسير وينطلق: أهدافٌ ربّانيّة ثابتة محدَّدة، وصراط مستقيم بيّنه الله لنا وفصّله، والهدف الأكبر والأسمى ـ الجنة، أهداف مشرقة، والدرب جليٌّ واحد لا سبيل سواه:

صراط مستقيمٌ حتى لا يضلّ عنه أحد، وسبيل واحد حتى لا يُختلفَ عليه ! فلِمَ التفرّق والتمزق والصراع ؟ ! أعلى لعاعة من الدنيا ؟ !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت