فهرس الكتاب

الصفحة 16775 من 27345

د. عبد العظيم بدوي

قال - تعالى:"ما لكم لا ترجون لله وقارا (13) وقد خلقكم أطوارا (14) ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا (15) وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا (16) والله أنبتكم من الأرض نباتا (17) ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا (18) والله جعل لكم الأرض بساطا (19) لتسلكوا منها سبلا فجاجا (20) قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا (21) ومكروا مكرا كبارا (22) وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا (23) وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا (24) مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا (25) وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا (26) إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا (27) رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا" {نوح: 13- 28} .

الحلقة الثانية

تفسير الآيات

انتقل نوح - عليه السلام - إلى أسلوب الترهيب، فقال: ما لكم لا ترجون لله وقارا، قال ابن عباس: لا تعظمون الله حق عظمته، أي لا تخافون من بأسه ونقمته، ثم انتقل بعد ذلك إلى تنبيههم إلى آيات قدرة الله وعظمته في أنفسهم فقال: وقد خلقكم أطوارا، هذه الأطوار قد فُسرت في سورة الحج والمؤمنون، قال - تعالى -:"يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا"الحج: 5"، وقال - تعالى:"ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (12) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين (13) ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين (14) ثم إنكم بعد ذلك لميتون (15) ثم إنكم يوم القيامة تبعثون"المؤمنون: 12- 16"، فلينظر الإنسان مم خلق"الطارق: 5"، وفي الأرض آيات للموقنين (20) وفي أنفسكم أفلا تبصرون"الذاريات: 20، 21".

ولما لفت أنظارهم إلى آيات الله في أنفسهم لفتها بعد ذلك إلى ما في الكون من آيات، فقال: ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا (15) وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا، الذي خلق سبع سموات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور (3) ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير (4) ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين"الملك: 3- 5"، وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون (37) والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم (38) والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم (39) لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون"يس: 37- 40"، تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا (61) وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا"الفرقان: 61، 62".

ثم يلفت أنظارهم إلى النشأة الأولى التي يُستدل بها على النشأة الآخرة فيقول:"والله أنبتكم من الأرض نباتا (17) ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا"وهذه الآية كقوله - تعالى:"منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى، وفي حديث البراء بن عازب الطويل في وصف قبض روح العبد المؤمن والعبد الكافر، قال - صلى الله عليه وسلم - في حقّ العبد المؤمن:"فيشيّعه من كل سماءٍ مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة، فيقولُ الله - عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أُخرجهم تارةً أخرى"."

وقوله: والله جعل لكم الأرض بساطا (19) لتسلكوا منها سبلا فجاجا يعني: أن الله هو الذي جعل لكم الأرض ذلولًا، وممهدة لتستقروا عليها، وتسلكوا فيها أنَّى شئتم من نواحيها وأرجائها وأقطارها، ومرادُ نوح - عليه السلام - مِن ذلك كله أن يجعلهم يُقرون بتوحيد الإلهية كما كانوا مقرين بتوحيد الربوبية، لقد كانوا مقرين بأن الله هو الذي خلق سبع سماوات طباقًا، وأنه هو الذي جعل الأرض بساطًا، وأنه الذي خلقهم ورزقهم، ثم كانوا يعبدون مع الله الأصنام والأوثان، فكان مرادُ نوح - عليه السلام - من لفت أنظارهم إلى دلائل عظمة الله أن يتحصّل منهم على الإقرار بأنّ الله يجب أن يُعبد وحده كما خَلَق وحده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت