ومع طول المدّة، وتنوّع الأساليب، كانت النتيجة العصيان والتمرد، والتواصي بالكفر، قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا، اتبعوا سادتهم وكبراءهم الذين يدعونهم إلى النار، وعَصَوْني وأنا أدعوهم إلى العزيز الغفار: ومكروا مكرا كبارا، مكرًا متناهيًا في الكبر، مكروا لإبطال الدعوة وإغلاق الطريق في وجهها إلى قلوب الناس، ومكروا لتزيين الكفر والضلال والجاهلية التي تخبط فيها القوم، وكان من مكرهم تحريضُ الناس على الاستمساك بالأصنام التي يسمّونها آلهة: وقالوا لا تذرن آلهتكم بهذه الإضافة:"آلهتكم"لإثارة النخوة الكاذبة والحميّة الآثمة في قلوبهم، وخصّصوا من هذه الأصنام أكبرها شأنًا، فخصّوها بالذكر ليهيِّج ذكرُها في قلوب العامة المضلَّلين الحمية والاعتزاز: ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا، وهي أكبر آلهتهم التي ظلّت تُعْبَدُ في الجاهليات بعدهم إلى عهد الرسالة المحمدية.
روى البخاري (4920) - رحمه الله - في الصحيح بسنده عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال:"صارت الأوثان التي كانت في قوم نوحٍ في العرب بعد، أما وَدّ فكانت لكلب بَدْومَةِ الجْنَدل، وأما سُواعُ فكانت لهُذَيْل، وأما يغوثُ فكانت لمراد، ثم لبني غُطيف بالجرفِ عند سبأ، وأما يعوقُ فكانت لهَمَدان، وأما نَسْرٌ فكانت لحمَير، لآلِ ذي الكلاعِ، أسماءُ رجال صالحين مِن قومِ نوحٍ، فلما هلكوا أَوْحَى الشيطان إلى قومهم أن انصبُوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسمُّوها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تُعْبَدْ، حتى إذا هلك أولئك وتنسّخ العلمُ عُبدتْ".
وقوله - تعالى: وقد أضلوا كثيرا يعني الأصنام التي اتخذوها أضلّوا بها خلقًا كثيرًا، فإنّه استمرت عبادتُها في القرون إلى زماننا هذا في العرب والعجم وسائر صنوف بني آدم، وقد قال الخليل - عليه السلام - في دعائه: واجنبني وبني أن نعبد الأصنام (35) رب إنهن أضللن كثيرا من الناس". اه. من ابن كثير."
ولقد كان في تصريحهم بهذه الوصية لا تذرن آلهتكم إشارةٌ لنوح - عليه السلام - أنّ القوم لا خير فيهم، بل إنّ الله أَوْحَى إليه بما تشير إليه هذه الوصية، كما قال - تعالى: وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون"هود: 36".
وهنا وجد نوحٌ - عليه السلام - هذا الدعاء ينبعثُ من قلبه: ولا تزد الظالمين إلا ضلالا، وقبل أن يتم الدعاء يَذْكُر الربُّ - سبحانه - ما أحاط بالقوم من العذاب فقال: مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا، وقد ذكر - سبحانه - في سور أخرى كيف أُغرقوا فقال: ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (11) وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر (12) وحملناه على ذات ألواح ودسر (13) تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر"القمر: 11- 14".
وفي قوله - تعالى:"أغرقوا فأدخلوا نارا، إشارة إلى عذاب القبر، الذي يُؤْمِنُ به أهلُ السنة والجماعة، لمن كان له أهلًا، كما يؤمنون بنعيم القبر لمن كان له أهلًا، نسأل الله أن يجيرنا من عذاب القبر وعذاب النار، وأن يجعل قبورنا روضةً من رياض الجنة، ووجهُ الاستدلال على عذاب القبر من هذه الآية: أنّ الله رتّب دخولهم النّارَ بعد غرقهم بالفاء التي تفيد الترتيب مع التعقيب، ومعلوم أنّ نار الآخرة لم يدخلوها بعد، فدلّ ذلك على أنّ النار التي دخلوها بعدما أغرقوا هي نار القبر، أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منها، ومما يدل على ذلك أيضًا قوله - تعالى: ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون"الأنعام: 93"."
وبعد هذا العرض لعذاب القوم الذي أصابهم في الدنيا وبعد الموت، تأتي بقية دعاء نوح - عليه السلام:"وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا أي لا تترك على وجه الأرض منهم أحدًا، ثم يعلّل دعوته بقوله: إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا"وهذا منه - عليه السلام - بناءً على ما أَوْحَى اللهُ إليه"أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن"هود: 36"."