فهرس الكتاب

الصفحة 8201 من 27345

د. محمد عمر دولة*

لو تأمَّلْنا صِفاتِ العبدِ الشاكر.. لَوَجَدْنا أنه قويُّ الصِّلةِ بالله عزَّ وجلَّ، كثيرُ الرَّجاءِ في رَحْمَتِه وفَضْلِه، عظيمُ التوكُّلِ عليه؛ لِما يعرفُه مِن كثرةِ نِعَمِ الله عليه؛ فهو يعلمُ مِن الله ما لا يعلمُ الجاحِدُون والمنقطِعُون عن الله!

وانظرْ هذه المعانِي الإيمانية في قولِ يعقوب عليه السلام: (إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللهِ وأعْلَمُ مِن اللهِ ما لا تَعْلَمُون) . [1] قال ابنُ كثير رحمه الله:" (وأعلَمُ مِن الله ما لا تعلَمُون) : أي أرْجُو منه كلَّ خير". [2] وروى الطبري رحمه الله عن قتادة قال: ذُكِرَ لنا أنَّ نَبِيَّ الله يعقوبَ لم ينزلْ به بلاءٌ قَط إلا أتَى حُسْنُ ظنِّه بالله مِن ورائه... وعن الحسن قال: وما ساءَ ظنُّه بالله ساعةً من ليلٍ ولا نهار"! [3] ورَحِم الله الشوكاني فقد قال:" (وأعلَم من الله ما لا تعلَمون) : أي أعلمُ مِن لُطفِه وإحْسانِه وثَوابِه على المصيبةِ ما لا تعلمونه أنتم... وقيل: أعلم مِن إجابةِ المضطرين إلى الله ما لا تعلمون". [4] "

إنَّ حمدَ الله عزَّ وجلَّ يُعِينُ على التوكُّلِ على الله جلَّ جلالُه والإنابةِ إليه والرَّجاءِ في ما عندَه وصِدْقِ الالتِجاء إليه. ولما كان التوكُّلُ على الله عزَّ وجَلَّ عقيدةً قائمةً على حُسْنِ الظنِّ بالله، ومَعرفةً مُستَمَدَّةً من قُوةِ الرجاءِ في فَضلِه ومنِّه وجُودِهِ وإحْسانِه؛ [5] فكلما زاد العبدُ من شُكرِ الله بجميعِ المحامدِ؛ زاد قوةً في توكُّلِه واعتمادِه وصدقِ التجائه إلى الله جلَّ جلالُه. ولله درُّ سيد قطب ما أحْسَنَ قولَه:"في هذه الكَلِماتِ يَتَجَلَّي الشُّعُورُ بالأُلُوهِيةِ في هذا القَلْبِ الموصُولِ... وهذه قِيمةُ الإيمانِ بالله ومَعْرِفَتُه سبحانه هذا اللَّوْنَ مِن المعرفةِ: مَعرفةِ التَّجَلِّي والشُّهُودِ ومُلابَسَةِ قُدْرَتِه وَقَدَرِه ومُلامَسَةِ رَحْمَتِه ورِعايَتِه، وإدراك شأنِ الأُلُوهِيةِ مع العبيدِ الصالحين؛ إنَّ هذه الكلماتِ (وأعْلَمُ مِن اللهِ ما لا تَعْلَمُون) تَجْلُو هذه الحقيقةَ بما لا تَملِكُ كلماتُنا أنْ تَجْلُوَها وتَعرِضُ مَذاقًا يَعْرِفُه مَنْ ذاقَ مِثلَه؛ فيُدرِك ماذا تعني هذه الكلماتُ في نفسِ العبدِ الصالحِ يَعقوب". [6]

ورَحِمَ الله القرطبي حيث قال في تفسيرِ قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذُكِر اللهُ وَجِلَتْ قلوبُهم وإذا تُليتْ عليهم آياتُه زادَتْهم إيمانًا وعلى ربِّهم يَتَوَكَّلُون) [7] "وَصَفَ الله تعالى المؤمِنِين في هذه الآيةِ بالخوفِ والوَجَلِ عند ذِكْرِه؛ وذلك لِقوَّةِ إيمانِهم، ومُراعاتِهم لِرَبِّهم وكأنهم بين يَدَيْه، ونظيرُ هذه الآية: (وبَشِّرِ المخبِتِين الذين إذا ذُكِر اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهم) ، [8] وقال: (وتَطْمَئنُّ قُلوبُهم بِذِكْرِ الله) ؛ [9] فهذا يرجعُ إلى كَمالِ المعرفةِ وثِقَةِ القلبِ... وقد جَمَعَ اللهُ بين هذين المعنَيَيْن في قولِه: (اللهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحديثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ منه جُلُودُ الذين يَخْشَوْن ربَّهم ثم تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ الله) ، [10] أي تَسْكُنُ نُفوسُهم مِن حيث اليقين إلى اللهِ وإنْ كانوا يَخافُون الله؛ فهذه حالةُ العارِفِين بالله". [11]

ومِما يُوضِّحُ علاقةَ الحمدِ بالتوكلِ: أنَّ التوكُّلَ هو اعتمادُ القلبِ على الرحمنِ الرحيمِ، وهو القوةُ الدافعةُ التي تُعينُ على اليقينِ بِنَصْرِ الله وصِدْقِ وَعْدِه؛ ولولا قوةُ إيمانِ الصحابة وكمالُ معرفتِهم بربِّهم ورجائهم في رحمتِه واستمدادهم منه ما كانوا من المتوَكِّلِين الصادِقِين (الذين قالَ لهم الناسُ إنَّ الناسَ قد جَمَعُوا لكم فاخْشَوْهُم فزادَهم إيمانًا وقالوا حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيل فانْقَلَبُوا بِنِعْمةٍ مِن اللهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ واللهُ ذو فَضْلٍ عَظِيم) . [12]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت