فهرس الكتاب

الصفحة 3617 من 27345

د. عبد الوهاب بن ناصر الطريري 6/6/1426

رُفقة طيبة كريمة هاجرت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكانوا عنده أهل عبادة ونسك، تعرف منازلهم بالليل لدويّهم بالقرآن، وأهل مروءة وإيثار، فإذا قل طعام عيالهم جمعوا ما عندهم في ثوب واحد ثم قسموه بينهم بالسويّة، مع صبر جميل على الفقر وقلّة ذات اليد، فلما كانت غزوة تبوك، واستنفر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الناس لها جاءه الأشعريّون بأشواق الجهاد والشهادة يطلبون أن يحملهم معه جنودًا في هذه المعركة؛ إذ كانوا لفقرهم لا يجدون ما يرتحلونه في هذا السفر الطويل، ووافق حضورهم إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وطلبهم هذا الطلب وهو غضبان، ولعل ذلك بسبب مزيد انشغاله واهتمامه بإعداد هذا الجيش الذي كان أكبر جيش جهّزه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولذا أجابهم جواب المغضب"والله لا أحملكم على شيء". فمضوا من عنده، وفي قلوبهم حزن شديد مخافة أن يكون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد وجد عليهم في نفسه، فبينا هم كذلك إذا بلال بن رباح يناديهم ويدعوهم إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلما عادوا إليه إذا خمس من الإبل عظام سمان حسان فدفعها إليهم، وقال صلى الله عليه وسلم:"إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحملكم على هؤلاء فاركبوهن". فانطلقوا بهن ثم لم يلبثوا أن أقبل بعضهم على بعض وقالوا:"إن تغفّلنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن يمينه، ولم نذكّره بها والله لا يُبارك لنا فيها، ولا نفلح بعدها أبدًا"! فلنرجع إليه فنذكّره بيمنه تلك. فرجعوا إليه -صلى الله عليه وسلم-فقالوا:"يا رسول الله، إنك حلفت ألاّ تحملنا، وقد حملتنا فظننا أنك نسيت يمينك"، وإذا النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي وافوه قبل قليل مغضبًا يقبل عليهم بلطفه وبشره المعهود قائلًا:"لست أنا حملتكم، ولكن الله حملكم، وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أثبتّ الذي هو خير، وكفّرت عن يميني"فطابت عند ذلك قلوبهم، وأنِست نفوسهم، وفاؤوا إلى الطمأنينة والبشرى.

وبقي أن نستشرف معاني من هذه القصة الملهمة منها:

1-الغضب النبوي في هذا الموقف هو جزء من الطبيعة البشريّة، ظهر من النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- ليؤكد اللافتة الضخمة في أداء النبي -صلى الله عليه وسلم- لدعوته. (...سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا) [الاسراء: من الآية93] فيحدث منه الانفعال الغضبي ليشرّع لأمته ما تفعله حال الغضب، كما ينسى ليُشرّع لأمته ما تفعله حال النسيان، ولتعلم الأمة عظيم حكمة الله تعالى يوم جعل الرسالة والقدوة للبشر بشرًا مثلهم، له غرائزهم ومشاعرهم وانفعالاتهم.

2-الغضب النبوي في هذا الموقف هو الحالة الاستثنائية التي تُبرز عظمة القاعدة العامة في حال النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي كان شديدًا في امتلاك نفسه عند الغضب. وليتضح من هذا الموقف الاستثنائي أن صفح النبي -صلى الله عليه وسلم- وحلمه في مواقف الغضب لم يكن لكونه ذا طبيعة ملائكيّة لا تقبل هذا الانفعال بحيث يُستشار فلا يغضب، بل لأنه كان يغضب كما يغضب البشر ولكنه يملك نفسه عند الغضب فيكظم الغيظ ويعفو ويُحسن. وكانت عظمته الأخلاقية تجعله مسيطرًا على انفعالاته في أحواله جُلِّها.

3-لم يأتِ الأشعريون حالًا تستوجب الغضب، إنهم لم يطلبوا مالًا يتخوّلونه، أو متاعًا يتأثّلونه، أو مغنمًا يحوزونه لأنفسهم يتكثّرون به، إنهم أتوا ليعرضوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دماءهم التي خزنوها في عروقهم، ومهجهم التي أكنّتها جوانحهم، رخيصة في سبيل الله تعالى، ويسألونه ما يحملهم إلى حيث تُسفك الدماء، وتُزهق المهج، وتُباع الأنفس على الله تعالى، فما بال النبي -صلى الله عليه وسلم- غضب على هؤلاء وهو أهل العفو والصفح والتحمّل لغيرهم من الأعراب الذين كانوا يسألون ويلحفون في المسألة، ويُعطون فيستكثرون من العطاء، ومع ذلك يستقبل إلحافهم المضجر بخلقه السمح السجيح (لو كان لي عدد هذه العضاة نعمًا لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلًا ولا جبانًا) ؟

إن ذلك هو تصرف النبي -صلى الله عليه وسلم- مع من يحبهم ويحبونه فهو يحتملهم ويحتملونه، ويعذرهم ويعذرونه، ويعطي آخرين من ماله وخلقه أكثر من أولئك، لا لأنهم أحب إليه، ولكن لأنهم أحوج إلى التألّف والرفق لحداثة عهدهم بالإسلام أو قلة خلطتهم بالرسول -صلى الله عليه وسلم- ولذا قال:"فوالله إني لأعطي الرجل وأدع الرجل، والذي أدع أحب إليّ من الذي أعطي، ولكن أعطي أقوامًا لما أرى في قلوبهم من الهلع وأكل أقوامًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير.."، إن هذا العطاء يشمل العطاء من المال ومن الخلق ومن التعامل، ولذا إذا أطلقت نفسك على سجيتها فاحترس عند التعامل مع مَنْ لا يعذرك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت